الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الشيخ القسّام حيٌّ في وجدان الإسرائيليين ، يقضّ مضاجعهم – والعنصرية ثمرة انحدار القيم وفقدان الأخلاق

الشيخ القسّام حيٌّ في وجدان الإسرائيليين ، يقضّ مضاجعهم – والعنصرية ثمرة انحدار القيم وفقدان الأخلاق

تاريخ النشر: 2025-08-15 | 11:14

يتجلّى في شخصية الشيخ القسام بعدٌ جوهري ثابت ، شكّل سمة بارزة في مسيرة الراحل وميّزه عن سائر القادة الثوريين في الأمة العربية المعاصرة ، ولعلّ إقدامه في زمن الانحسار كان الدافع العميق الذي أهّله لتصدّر المشهد العام عبر قرن من الزمن ، لقد بقي الشيخ عز الدين القسّام ، في الذاكرة الفلسطينية ، أيقونةً للحنين ومصدراً للفخر والإعتزاز ، بما مثّله من قيم النضال والإباء " حنا، 2002 ، عز الدين القسام : الثورة والفكرة " ، وعلى الرغم من أن الفكر الإنساني ، عبر تاريخه الطويل ، أفرز نخبة من المفكرين الذين إستطاعوا تفسير طبيعة الإنسان ومجتمعاته المتنوّعة ، فإن معظمهم أخفق في إحداث تحوّل جوهري في الميدان الأخلاقي ، وهو الميدان الذي يشكّل ، في نظر الحكماء والفلاسفة ، الركيزة الأسمى لبناء الحضارات واستمرارها " أرسطو ، الأخلاق النيقوماخيةً " ، بل إن إخفاق المشروع التربوي على مرّ العصور في صياغة إنسان أخلاقي دفع بعض الباحثين إلى إقتراح حلول بديلة ، تراوحت بين التدخّل الجراحي واستعمال تقنيات طبية متقدّمة ، بغية تعزيز الثقة بالنفس وترسيخ روح التعاون " فروم، 1956 ، فن الحب " .
ولم ينبع هذا التوجّه من فراغ ؛ فقد لجأ العلماء إلى العقاقير وإلى التحفيز الكهربائي للدماغ ، سعياً لاستعادة الفطرة السليمة ، بعد أن أماط علم النفس اللثام عن العوامل التىّ تؤدّي إلى تدهور الحالة النفسية واستنزاف الطاقة الإنسانية " فرويد ، 1920 ، ما وراء مبدأ اللذة " ، ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان ، رغم قدرته على التعلّق بأي شكل من أشكال الإدمان ، يظلّ أقلّ استعداداً لتحمّل عبء الأخلاق ، لما تحمله من تكاليف ومسؤوليات ، حتى وإن تظاهر بالالتزام بها ، وعليه ، فإنّ ما عرفته البشرية من صور التمييز العنصري ، والتعصّب العرقي أو القومي ، والتصنيفات الجائرة ، إنما يعود في جذره العميق إلى تراجع المنظومة الأخلاقية أو بالأحرى إلى عدم قدرته على اكتسابها ، وهو التراجع الذي نبّه إليه مفكّرون كبار منذ قرون ، وعلى رأسهم ابن خلدون في المقدمة حين ربط فساد العمران بانحطاط الأخلاق " ابن خلدون" …
من منظور الدراسات ما بعد الكولونيالية ، يشكل الخطاب السياسي أحد الأدوات الجوهرية في تكريس الهيمنة الاستعمارية وإعادة إنتاج علاقات القوة بين المستعمِر والمستعمَر " سعيد ، 1997 " ، وفي الحالة الفلسطينية ، يتجسد ذلك في خطاب قادة إسرائيليين ينتمون إلى تيارات قومية متطرفة ، من أبرزهم ابن غفير ، الذي تبنّى مواقف وتصريحات تتجاوز الممارسات العسكرية الميدانية إلى استهداف الرموز التاريخية والثقافية الفلسطينيةُ ، تأتي دعوة بن غفير لهدم قبر الشيخ عز الدين القسام ضمن سياق أوسع من سياسات الإلغاء الثقافي والتاريخي ، التىّ تشكّل جزءاً لا يتجزأ من مشروع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ، وتُظهر دراسة الخطاب السياسي في السياق الاستعماري أن الوعي الجمعي لدى الفاعلين السياسيين قد ينقسم إلى نمطين : وعي تنموي يرتقي بصاحبه إلى مستويات الحكمة ، ووعي هدّام يقود إلى الإنحدار الأخلاقي ونشر الكراهية والعنصرية " سعيد، 1997 ، وفي الحالة الإسرائيلية ، يبرز وزير الأمن القومي وعضو الكنيست إيتمار بن غفير كنموذج واضح للوعي الشاذ ، بما يحمله من مواقف وتصريحات تمثل امتداداً لسياسات الاستعمار الاستيطاني في فلسطين ، فابن غفير ، المعروف بانتمائه إلى التيار الكهاني المتطرف ، أطلق مؤخراً تصريحات وقبل ذلك مثيرة ، وتحديداً في ما يخص القائد الثوري الذي لعب دوراً محورياً في مقاومة الاستعمار الفرنسي في سوريا عام 1925 ، قبل أن ينتقل إلى فلسطين لقيادة النضال ضد الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني حتى استشهاده عام 1935 " نصار ، 2007 " ، ويقع قبر القسام في بلدة تُعرف اليوم باسم “نيشر” قرب حيفا ، وكانت تُسمّى سابقاً “بلدة الشيخ” (الخالدي، 1992).
تأتي دعوة بن غفير في سياق مشروع متكامل لمحو الذاكرة الجمعية الفلسطينية ، لا يقتصر على مصادرة الأرض وتهويد المقدسات ، بل يمتد إلى إستهداف الرموز التاريخية للمقاومة ، هذا النهج يتوافق مع ما تصفه منظمة العفو الدولية (2022) بسياسات “الأبارتهايد” القائمة على الإبادة الجماعية ، والتجويع ، والحصار ، والاعتقال التعسفي ، والتعذيب ، وفي خطابه أمام الكنيست ، صرّح بن غفير بأنه “عازم على ملاحقة الإرهابيين حتى في قبورهم”، في إشارة مباشرة إلى القسام ، ويعكس هذا التصريح منطقاً استعمارياً يرى أن الفلسطيني لا يملك حق المقاومة ، بينما يُمنح المحتل الشرعية الكاملة لممارسة الجرائم والتهجير القسري " سعيد، 1997 " ، بل يتزامن هذا الخطاب مع تسريبات صحفية حول مباحثات بين الاسرائيليين والجنرال الليبي خليفة حفتر لنقل مليون فلسطيني من قطاع غزة إلى ليبيا ، في محاولة لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وقطع الصلة بينهم وبين تاريخهم " هآرتس، 2026 " ، هذا يتسق مع نظرية أن محو الذاكرة الجمعية يتطلب تهجير السكان الأصليين بالكامل ، إذ إن بقاءهم يحافظ على استمرارية الرواية التاريخية " ماسون، 2010 " .

يتجاهل بن غفير أن الشيخ عز الدين القسام لم يكن فلسطينياً بالميلاد ، إذ وُلد في جبلة بسوريا عام 1882، لكنه آمن – كغالبية الأمة الإسلامية – بأن فلسطين وقف إسلامي " ياسين، 2005 " ، هذا الموقف يجد له نظيراً في سلوكيات شخصيات إسلامية بارزة مثل الزعيم الهندي محمد علي جوهر ، الذي زار القدس وموّل مؤسساتها ، ودُفن في المقبرة الخاتونية عام 1931 " الزركلي، 2002 " ، وهنا يطرح سؤال أكاديمي مشروع : هل يمتد المنطق ذاته لدى بن غفير للمطالبة بهدم قبور شخصيات إسلامية غير فلسطينية ارتبطت بالمدينة المقدسة؟ ، فتصريحات بن غفير ليست معزولة عن السياق التاريخي للاستعمار الاستيطاني في فلسطين ، بل تمثل حلقة في مشروع أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والذاكرة والهوية الفلسطينية ، هذا المشروع يعتمد على استراتيجيات الإبادة المادية والرمزية ، حيث يصبح محو الرموز جزءاً من محو التاريخ نفسه …
خيارات الإنسان تتراوح بين ما يُسجَّل في التاريخ وما يُنسى ، ويعتمد الشخص المتوازن في قراراته على تقييمات دقيقة وبديهية ، ومن هذا المنظور ، يصعب تصوّر مسؤول حكومي يدعو إلى ملاحقة الأموات في قبورهم ، إذ تحمل مثل هذه الدعوات أبعاداً أخلاقية خطيرة قد تصل إلى محاولات مسح رموز تاريخية مهمة ، كما في قبر صلاح الدين الأيوبي " ابن شداد، " 1964) ، وهذا الخلل الأخلاقي يمتد أحياناً ليشمل الإبادة والتجويع ومحو الذاكرة الجماعية ، وصولاً إلى إستهداف الأحياء لأغراض سياسية ، كما وثقت التقارير الأممية في النزاعات الحديثة " مجلس حقوق الإنسان، 2009 " ، وعلى النقيض ، تظهر التجارب التاريخية قدرة الشعوب على مقاومة الظلم رغم عدم توازن القوى ، فعمر المختار ، قائد الثورة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي ، أدرك فجوة العتاد العسكري ، لكنه حشد الشعب الليبي لتحقيق مقاومة حقيقية ، رغم التضحيات الكبيرة التي بلغت نصف تعداد السكان آنذاك (العنيزي، 1970؛ البرغوثي، 1985).
كما حاولت فرنسا إعادة كتابة تاريخ الجزائر ، إلا أن الرموز الوطنية المقاومة بقيت حية ، مثل الأمير عبد القادر الجزائري ، لتؤكد صمود الهوية الوطنية أمام محاولات الطمس " سعد الله، 1980؛ شريف، 1995 " ، فتجربة الإحتلال الصهيوني تظهر استمرار هذا النمط ، إذ لم تمس محاولات تغيير أسماء المدن الرئيسية مثل حيفا وعكا وطبريا جوهر الهوية التاريخية ، مما يعكس إفلاساً أخلاقياً وعجزاً عن التعايش مع الأموات ، فكيف بالأحياء؟ وتعتمد الأيديولوجية الصهيونية على التهجير والإلغاء لمواجهة ما تعتبره تهديداً وجودياً لسرديتها " مجلس حقوق الإنسان، 2009 " .
تكشف هذه الأمثلة أن التوازن الأخلاقي والتاريخي هو ما يمنح المجتمعات القدرة على الصمود ، وأن محاولات الطمس والإلغاء لا تُجدي أمام إرادة الشعوب وتمسكها بذاكرتها وهويتها ، ما يجعل الحفاظ على التوازن بين السلطة والفكر والمجتمع ضرورة حيوية …
ما يلفت النظر في حكاية ابن غفير والشيخ القسام هو أن الأخير ، رغم مرور أكثر من 90 عاماً على استشهاده ، لا يُعتبر حيّاً للفلسطينيين والعرب فحسب ، بل يظل حاضراً في وعي الإسرائيليين أيضاً ، حيث يشكل مصدر قلق وإزعاج لهم ، هذه الظاهرة تشير إلى أن تأثير الشخصيات التاريخية لا تقتصر على من كانوا معاصرين لهم ، بل تمتد إلى الأجيال التالية ، ويؤثر امثال القسام في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة (Abu-Lughod, 2000) ، وتظهر في هذا السياق قوة الذاكرة الشعبية ، التىّ لا تقتصر على الأدب والتاريخ الرسميين ، بل تتجلى أيضاً في الأناشيد والزواجل والأغاني الشعبية ، التىّ توثق التجارب النضالية والمقاومة بطريقة مباشرة وحيّة " Kanafani, 1973 " ، فالذاكرة الشعبية تعمل كوسيط بين الماضي والحاضر ، وتساهم في تعزيز الهوية الوطنية وإدامة روح المقاومة ، وهو ما يغيب عن فهم البعض ، بمن فيهم الشخصيات السياسية المعاصرة التىّ تتعامل مع التاريخ بعين سطحية أو سياسية ، يمثل هذا الفارق بين قوة السلاح المادي وقدرة فكرة متجذرة في ضمير الشعب ، والتىّ تنمو نتيجة منظومة أخلاقية واجتماعية متينة ، جوهر الصراع الفلسطيني المستمر ، فالشعب الفلسطيني ، منذ أكثر من مائة عام ، بنى أسس نضاله على مزيج من الوعي التاريخي كدين ، والثقافة الشعبية ، والأخلاقيات النضالية ، وهو ما يميز مقاومته عن مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية " Shlaim, 2000 " .
توضح حكاية ابن غفير والشيخ القسام أن تأثير الشخصيات التاريخية يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا ، ليشمل الوعي الشعبي والمعرفة الجماعية ، سواء عند الفلسطينيين أو عند خصومهم ، إن قوة الذاكرة الشعبية ، التىّ تتجسد في الأدب ، وأشكال الثقافة المتنوعة ، تُظهر أن المقاومة ليست مجرد مواجهة مادية ، بل هي نتاج منظومة أخلاقية وثقافية متجذرة في المجتمع ، ومن هذا المنطلق ، يصبح فهم التاريخ الشعبي وأشكال المقاومة الثقافية والاجتماعية أمراً أساسياً لتحليل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ، حيث تتقاطع الذاكرة ، والهوية ، والنضال في إطار متماسك يعكس صمود الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من قرن في مواجهة كيان دموي تَشَكَّل ونما كصابة في إطار حركة استعماريّة منظَّمة …

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط