لم تعد المفاوضات الجارية بين النظام الإيراني والولايات المتحدة ملفاً خارجياً فحسب، بل تحولت إلى ساحة مكشوفة للصراع على السلطة داخل النظام. فكل جناح يحاول أن يفرض روايته حول معنى التفاوض، وحدود التنازل، ومن يحق له أن يتحدث باسم «المصلحة العليا»، في وقت يدرك فيه الجميع أن نتائج هذا المسار قد تعيد رسم موازين القوة داخل الحكم.
الجناح المتشدد ينظر إلى المفاوضات بعين الريبة، لا لأنه يملك بديلاً واقعياً، بل لأنه يخشى أن يؤدي أي تفاهم إلى تقليص نفوذه داخل مؤسسات القرار، خصوصاً في الملفات التي بنى عليها سلطته خلال العقود الماضية: الملف النووي، الحرس الثوري، الميليشيات الإقليمية، تنگه هرمز، والسيطرة على الإعلام الرسمي. لذلك يحاول هذا التيار عرقلة مسار التفاوض أو رفع كلفته السياسية، عبر اتهام خصومه بالتراجع وإرسال «رسائل ضعف» إلى الخارج.
في المقابل، يرى الجناح الداعي إلى التفاوض أن النظام لم يعد قادراً على تحمل كلفة مواجهة مفتوحة. فالأزمة الاقتصادية تتفاقم، والغضب الاجتماعي يتسع، والموارد التي يحتاجها النظام لإدارة الداخل والخارج تتراجع. من هنا، يدفع هذا الجناح باتجاه تفاهم يمنح السلطة فرصة لالتقاط الأنفاس، وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، وإعادة تنظيم أدواتها الأمنية والسياسية.
لكن الخلاف بين الطرفين لا يدور حول مصلحة الشعب، بل حول الطريقة الأفضل لحماية النظام. المتشددون يريدون استمرار التوتر والحروب المحدودة لتبرير القبضة الأمنية وتعبئة المجتمع خلف السلطة، بينما يريد الفريق الآخر استخدام التفاوض للحصول على متنفس اقتصادي يخفف الضغط عن الشارع. والهدف المشترك للطرفين واحد: منع المجتمع الإيراني من تحويل أزماته المعيشية والسياسية إلى انتفاضة واسعة.
وقد ظهر هذا الصراع بوضوح في المعارك الإعلامية الأخيرة داخل النظام، خصوصاً حول من يملك حق تفسير نتائج الحرب والتفاهمات مع واشنطن. فحين تتحول وسائل الإعلام الرسمية إلى طرف في النزاع، وحين تُستخدم المنابر الحكومية لمهاجمة شخصيات من داخل السلطة نفسها، فهذا يعني أن الخلاف لم يعد مضبوطاً داخل الغرف المغلقة، بل خرج إلى العلن وبدأ يهدد صورة التماسك التي يحاول النظام الحفاظ عليها.
الأخطر بالنسبة إلى النظام أن هذا الصراع يجري في لحظة يتراجع فيها تأثير الدعاية الرسمية وتتنامى حالة الغضب في المجتمع. فكل جناح يخشى أن يتحمل مسؤولية الفشل المقبل: فشل المفاوضات، أو فشل الحرب، أو انفجار الشارع. ولهذا يحاول كل طرف تحميل الآخر كلفة المرحلة، والظهور بمظهر المدافع الحقيقي عن بقاء النظام.
وفي خلفية هذا المشهد، يزداد حضور وحدات المقاومة بوصفها عاملاً يقلق جميع الأجنحة. فهذه الوحدات تعمل على كشف حقيقة الصراع داخل النظام، وتوضح أن ما يجري ليس خلافاً من أجل الشعب، بل صراع بين مراكز قوة تسعى جميعها إلى إنقاذ السلطة من المجتمع. كما أن نشاطها في كسر حاجز الخوف وربط الأزمات المعيشية بالمطالبة بالتغيير، يجعل من الصعب على النظام حصر الأزمة في إطار تفاوضي أو جناحي.
لذلك، فإن المفاوضات لا تكشف فقط مأزق السياسة الخارجية للنظام، بل تكشف أيضاً هشاشة بنيته الداخلية. فالنظام الذي يحاول أن يفاوض الخارج من موقع قوة، يجد نفسه في الداخل أمام صراع متصاعد على السلطة، ومجتمع غاضب، ومقاومة منظمة تطرح بديلاً ديمقراطياً. ومن هنا، تبدو معركة التفاوض جزءاً من معركة أكبر: معركة بقاء نظام لم يعد قادراً على إخفاء شقوقه الداخلية.