تاريخ النشر: 2018-05-20 | 12:19
تاريخ النشر: 2018-05-20 | 12:19
أفضل ما تتمناه القيادة الصهيونية ابقاء الحال على ما هو عليه ، لا حرب ولا سلام ، حصار خانق لأهل غزة ، قتل وقنص وتخريب وتدمير من جانبها ودون أي رد من المقاومة . هذه السياسة قديمة جديدة فقد تم تجربتها مع المصرين عندما احتل الجيش الصهيوني سيناء عشية حرب الأيام الستة في العام 67 .
وأكثر ما يكرهه قادة الكيان الصهيوني هو حروب الاستنزاف ، فقد تعودوا على الحروب الخاطفة ، تحقيق الأهداف في أقل وقت ممكن وضمن المستويات الدنيا للخسائر ، فقد انضمت إسرائيل للدولة المعتدية على مصر في العام 1956 واحتلت قطاع غزة وهاجمت سيناء في أيام معدودات ولكنها لم تصمد أمام المقاومة المسلحة للشعب المصري وهجمات الفدائيين سواء في قطاع غزة أو على ضفة قناة السويس ، وواجهت بالفعل حرب استنزاف حقيقة مما اجبرها على الانسحاب في اكتوبر من العام ذاته .
وبعد هزيمة الجيش المصري في العام 67 واحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان ، شرع الرئيس جمال عبد الناصر على الفور بإعادة بناء القوات المسلحة المصرية تحت شعار ازالة آثار العدوان ، وبدأت حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية ، وشرعت المقاومة الفلسطينية بتنظيم نفسها سواء في الأردن حيث خاضت معركة الكرامة الباسلة ، وفي قطاع غزة حيث أربكت العمليات المسلحة حسابات العدو ، وفي كلا الحالتين استطاعت القيادة الصهيونية بتصفية جيوب المقاومة في قطاع غزة ، وفي الأردن عملت على تصدع العلاقة بين النظام الأردني والمقاومة حيث تم تصفية المقاومة في الأردن وترحيلها إلى جنوب لبنان .
استمرت المقاومة الفلسطينية في لبنان يخدمها في ذلك تناقضات النظام السياسي اللبناني فقد أبرمت المقاومة الفلسطينية العديد من التحالفات مع الفصائل والأحزاب اللبنانية المختلفة مما جعل حيز المناورة امامها كبير ، واستطاعت في ذلك الوقت أن تكون شوكة حقيقة في حلق الاحتلال الصهيوني ، وقد خسرت المقاومة في لبنان أفضل قادتها حينما ردت القيادة الصهيونية على عمليات الاستنزاف التي تقوم بها المقاومة على الحدود اللبنانية مع شمال فلسطين بأن قامت باغتيال القادة الفلسطينيين أمثال كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وغسان كنفاني والقائمة طويلة حتى انتهى الأمر بمؤامرة دولية لتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان بعد احتلال الصهاينة لبيروت ومحاصرة القيادة الفلسطينية في غرب بيروت لما يزيد على التسعين يوما .
ابتدع الفلسطينيون بعد ذلك المقاومة الشعبية حيث أشعلت الانتفاضة في نهاية العام 87 من القرن الماضي ، وكانت أكبر استنزاف لمقدرات الصهاينة ، حاول الصهاينة قمع هذه الانتفاضة بكافة السبل فاستشهد المآت وجرح الآلاف ودمرت البيوت ولم يستطع الصهاينة كسر جذوة الانتفاضة وسجل هذا المصطلح في قاموس النضال الثوري لحركات التحرر في العالم .
استمر الفلسطينيون في ابداعاتهم فنظموا مسيرات العودة وهي من أعمال المقاومة والتي لم يكن الصهاينة يحسبون لها الحساب ، فقد أربكت تفكيرهم وحساباتهم ، فهي سلمية ، شعبية ، تضم كافة ألوان الطيف الفلسطيني ، يقودها هيئة تنسيقية اختزلت العديد من التجارب في هذا المضمار ، لا حجة أمام القيادة الصهيونية في الشكوى أمام العالم ، فلا صواريخ ولا استشهاديين ، ولا بنادق أو رصاص ، فقط كاوتشوك ، طائرات ورقية ، ابداعات محلية ، صمود اسطوري ، تنظيم الجماهير شعوبيا تحت راية علم فلسطين .
حاول الصهاينة بتوجيه ضربة قاضية لمسيرات العودة بأن صبوا جام غضبهم على العزل من المشاركين في احياء ذكرى النكبة وقد أوغلوا في الدماء الفلسطينية ، وقد قتلوا في يوم واحد ما يزيد على الستين شهيدا وأصابوا وجرحوا ما يزيد على الثلاثة آلاف . كان أفعالهم في ذلك اليوم جرائم حرب ترتقي إلى جرائم الإبادة الجماعية ، كانت أهدافهم تصب في محاولة القضاء على هذا العمل الإبداعي المقاوم مع التأكيد على قوة الردع الصهيونية بعد أن تآكلت قوة الردع العسكرية في الميدان بعد ان شن الصهاينة ثلاث حروب على غزة .
لم يفلح الصهاينة في مسعاهم خاصة بعد تصميم الفلسطينيون على الاستمرار في مسيرات العودة ، وأصبح لدى الصهاينة هواجس بأن اقتحام الحدود المصطنعة بين غزة والأراضي التي يسيطر عليها الكيان ماهي إلا مسألة وقت ، أصبح لا بد من البحث عن حلول سياسية استجابة إلى توصيات المستوى الأمني والاستخباراتي ، فأصبحت قيادة الكيان تحث الدول سواء كانت عربية أو أجنبية على طرح المبادرات لتحسين الوضع الاقتصادي لسكان قطاع غزة وتخفيف الحصار عنهم معللين ذلك بأن سبب مسيرات العودة هو اجتماعي واقتصادي .
إن هذا التوجه خاطئ فقد عمل أهل غزة لدى أصحاب العمل الصهاينة في المدن والقرى التي يسيطر عليها الكيان وبأجور خيالية وما إن هبت الانتفاضة الأولى حتى انخرط فيها هؤلاء العمال وكانون وقودها ومشعليها .
إن الحل ليس بتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية لسكان غزة مع الحاجة الماسة لا جراء مثل هذه التحسينات ولكن بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه في ارضه التي هجر منها حسب قرارات الشرعة الدولية وأن تستغل القيادة الفلسطينية ذلك الحراك الشعبي بأن ترفع سقف مطالبها في اقامة الدولة الفلسطينية على الجزء المخصص لها حسب قرار التقسيم مع المطالبة بالتعويض عما أصاب شعبنا من أضرار مادية ومعنوية نتيجة التهجير القسري ، يجب على القيادة الفلسطينية أن تستفيد من مسيرات العودة كما استفاد المرحوم أبو عمار من الانتفاضة عند اجراء مباحثات أوسلو .
لا تختبروا صبر هذا الشعب فهو كما قال أبو عمار شعب الجبارين يتقدم على قياداته ، ويبدع في مقاومته .