الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الضفة الغربية: إرهاب المستوطنين أداة للضم الزاحف وفرض السيادة

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران والتوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة، تتسارع على الأرض في الضفة الغربية المحتلة عملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تتجه الأنظار إلى ساحات الحرب، تستغل حكومة الاحتلال الإسرائيلي هذا الانشغال الدولي لتعميق سياسات السيطرة على الأرض في الضفة الغربية، عبر مزيج من القرارات الحكومية، التوسع الاستيطاني، وإرهاب المستوطنين المنظم ضد الفلسطينيين.

لم يعد ما يسمى في الخطاب الرسمي لدولة الاحتلال الإسرائيلي بـ إرهاب المستوطنين ظاهرة هامشية أو أعمال شغب يقوم بها عدد محدود من شبان التلال، فالمعطيات والبيانات المتراكمة في السنوات الأخيرة، إلى جانب التحقيقات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية والدولية، تشير بوضوح إلى أن هذه الاعتداءات أصبحت جزءاً من منظومة سياسية وأمنية أوسع تعمل عملياً على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية المحتلة.

التحقيق الذي نشرته صحيفة “هآرتس” يوم الجمعة الفائت يرسم صورة مقلقة لانهيار منظومة الرقابة الأمنية والقانونية، التي كانت تضبط ولو جزئياً هذه الاعتداءات. غير أن ما يجري في الواقع لا يمكن فهمه كظاهرة عابرة، بل كسياسة قديمة تعمقت بصورة واضحة مع صعود حكومة اليمين الاستيطاني الحالية.

فبحسب شهادات ضباط وجنود احتياط خدموا في الضفة الغربية، لم يعد  إرهاب المستوطنين مجرد حوادث استثنائية، بل تحوّل إلى نمط شبه يومي. وفي كثير من الحالات يصل الجنود إلى مواقع الهجمات بعد وقوعها، ليجدوا أنفسهم أمام صدام بين مستوطنين وفلسطينيين ينتهي غالباً باعتقال الفلسطينيين أو استخدام القوة ضدهم.

لكن المشكلة أعمق بكثير من مجرد تقاعس أمني. فإرهاب المستوطنين لم يعد فعلاً عشوائياً، بل أصبح أداة ميدانية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. فبدلاً من عشرات من شبان التلال، كما تدّعي حكومة الاحتلال، يتحدث التحقيق عن مئات المشاركين في الاعتداءات، يعملون ضمن شبكة دعم واسعة تشمل بؤراً استيطانية ومزارع استيطانية ومجالس إقليمية في الضفة الغربية.

بل إن بعض هذه المجموعات بات ينشر تقارير شهرية عن نشاطاته، تتفاخر فيها بإحراق منازل ومركبات فلسطينية وتدمير أشجار الزيتون والاعتداء على سكان القرى المجاورة. وهو ما يعكس درجة غير مسبوقة من التنظيم والشرعنة الضمنية لهذا النوع من الإرهاب.

الأخطر من ذلك هو التداخل المتزايد بين المستوطنين والمنظومة العسكرية. فبعض المشاركين في الاعتداءات يتحركون بمركبات عسكرية أو شبه عسكرية، ويرتدون أجزاء من الزي العسكري، ويحملون أسلحة حصلوا عليها ضمن منظومات الدفاع الإقليمي، ومع توسع تسليح المستوطنين خلال السنوات الأخيرة، أصبح الخط الفاصل بين المدنيين المسلحين والجيش الإسرائيلي أكثر ضبابية.

وبهذا المعنى، يتحول المستوطنون تدريجياً إلى قوة شبه عسكرية تعمل في الميدان، تحظى بحماية الجيش وتتحرك أحياناً تحت نظره المباشر.

سياسياً، لا يمكن فهم هذا التحول من دون النظر إلى التغيرات العميقة داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية. فوزير المالية والوزير في وزارة الدفاع المسؤول عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية، بتسلئيل سموتريتش، يدفع بوضوح نحو تنفيذ رؤيته المعروفة باسم “خطة الحسم”، التي طرحها عام 2017.

تقوم هذه الخطة على توسيع السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة “C”، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، مع إبقاء الفلسطينيين محصورين داخل جيوب سكانية في مناطق “A” و”B”. وفي إطار هذا التصور، يصبح إرهاب المستوطنين وسيلة ميدانية لفرض واقع ديموغرافي جديد.

فالهجمات المتكررة على القرى الفلسطينية، وإحراق المحاصيل، وتخريب مصادر المياه، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، ليست مجرد حوادث متفرقة، بل أدوات تهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، خصوصاً في المناطق الريفية والأغوار وجنوب الخليل.

في المقابل، تراجعت قدرة أو رغبة مؤسسات إنفاذ القانون الإسرائيلية في مواجهة هذه الظاهرة. فشرطة الاحتلال في الضفة الغربية، الواقعة تحت نفوذ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تتعرض لانتقادات متزايدة بسبب تقاعسها عن التحقيق في اعتداءات المستوطنين. كما تقلص دور جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في متابعة ما يُعرف بـ الإرهاب اليهودي.

غير أن ما يبدو تقاعساً في الظاهر يعكس في كثير من الأحيان انسجاماً مع توجهات الحكومة الحالية. فالجيش الإسرائيلي، الذي وصف في بيانات سابقة بعض ممارسات المستوطنين بأنها  إرهاب يهودي، يجد نفسه اليوم جزءاً من واقع سياسي وأمني يدفعه إلى تجنب المواجهة مع المستوطنين.

كما أن قرارات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين، رغم محدودية استخدامها أصلاً، تعكس توجهاً سياسياً يحد من أدوات الردع القانونية تجاه هذه الاعتداءات.

هذه التحولات انعكست أيضاً داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد وقّع نحو مئتي جندي احتياط رسالة إلى القيادة العسكرية يحذرون فيها من تآكل القيم التي يفترض أن يقوم عليها الجيش، ومن تورط بعض الجنود في أعمال عنف ضد الفلسطينيين أو في التغاضي عنها.

غير أن هذا الخطاب الأخلاقي يصطدم بواقع مختلف على الأرض. فالجيش نفسه ينفذ يومياً عمليات اقتحام واعتقال في المدن والقرى الفلسطينية، ويوفر الحماية للمستوطنين خلال هجماتهم أو بعدها. ويكشف هذا التناقض بين الخطاب والممارسة حدود قدرة المؤسسة العسكرية أو رغبتها  في مواجهة إرهاب المستوطنين.

ما يتشكل اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد تصاعد في إرهاب المستوطنين، بل إعادة هندسة تدريجية للواقع السياسي والجغرافي. يتحرك المستوطنون بحرية شبه كاملة، بينما تبدو المنظومة الأمنية مترددة أو عاجزة عن ضبطهم، في حين تدفع القيادة السياسية باتجاه توسيع السيطرة على الأرض وتطبيق سياسات الضم الزاحف.

بهذا المعنى، يصبح إرهاب المستوطنين أداة ضمن سياسة أوسع لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية. إنها عملية منهجية وبطيئة، تقوم على دفع الفلسطينيين للانكماش داخل جيوب سكانية معزولة، في مقابل توسيع متواصل للمشروع الاستيطاني، وتثبيت واقع جديد يخدم أهداف إسرائيل الاستراتيجية والسياسية.

وفي ظل الحرب المدمرة على قطاع غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، تبدو الضفة الغربية ساحة موازية لعملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تستمر المأساة الإنسانية في غزة، تتسارع في الضفة سياسات السيطرة على الأرض عبر مزيج من القرارات الحكومية وإرهاب المستوطنين والتواطؤ المؤسسي، لتكريس واقع قائم على التفوق الإسرائيلي والضم الفعلي للأراضي.

والنتيجة النهائية ليست مجرد توسع استيطاني، بل ترسيخ نظام قائم على الضم التدريجي، التفوق العرقي، والطرد التدريجي للفلسطينيين من أرضهم، في حين تبقى مؤسسات الاحتلال الرسمية وأذرعها الأمنية والسياسية حاضرة لدعم هذا المشروع ومشاركته بصورة عملية ومباشرة.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط