لم تعد أزمة الطبقة الوسطى في إيران مجرد تراجع في القدرة الشرائية، بل أصبحت تحولاً عميقاً في نمط الحياة والفرص والمستقبل. فالعائلة التي كانت تخطط لشراء منزل، أو تحسين تعليم أبنائها، أو الادخار للمستقبل، أصبحت اليوم تقاتل فقط كي لا تنزلق إلى الفقر. وهذه ليست أزمة اجتماعية عابرة، بل مؤشر على تفكك أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد.
وتكشف صحيفة دنیای اقتصاد أن استمرار الضغوط المعيشية يدفع الأسر المتوسطة إلى تغيير أولوياتها بصورة جذرية. إذ تستحوذ تكاليف الغذاء والسكن والنقل على الحصة الأكبر من الدخل، بينما تتراجع نفقات التعليم والثقافة والعلاج والترفيه والادخار. كما تضطر الأسر إلى تأجيل شراء الأجهزة المنزلية والسيارات والحواسيب، والاعتماد على الإصلاح والاستعمال الطويل، أو شراء سلع أرخص وأقل جودة.
الأخطر من ذلك هو أن تدهور مستوى المعيشة لا يظهر فقط في حجم الإنفاق، بل في نوعيته. فحين تتحول اللحوم، والمنتجات الغذائية الجيدة، والتأمين التكميلي، والتعليم الخاص، والرياضة والسفر إلى كماليات، فإن الطبقة الوسطى تفقد السمات التي تميزها عن الفئات الفقيرة. ومع استمرار هذا الاتجاه، تصبح نفقات الأسر المتوسطة شبيهة تدريجياً بنفقات الطبقات الأدنى، حيث تذهب معظم الموارد لتأمين الحد الأدنى من البقاء.
ولهذا التحول آثار مباشرة على مستقبل الاقتصاد. فتراجع استهلاك الطبقة الوسطى يعني انخفاض الطلب على قطاعات واسعة، مثل التعليم، والثقافة، والسياحة، والمطاعم، والملابس، والأجهزة المنزلية، والخدمات الرياضية، والتأمين والنشر. ومع انكماش الطلب، تتراجع مبيعات الشركات، وتنخفض الاستثمارات، ويقل خلق فرص العمل، فتدخل البلاد في حلقة أعمق من الركود والتضخم. وهكذا لا يعود فقر الأسر مجرد نتيجة للأزمة الاقتصادية، بل يصبح عاملاً يغذيها ويعمقها.
كما تتسع ظاهرة الديون العائلية، والشراء بالتقسيط، والاقتراض، وبيع الممتلكات لتغطية النفقات اليومية. وتصبح الهجرة الداخلية أو الخارجية خياراً أكثر إغراءً، خصوصاً للشباب المتعلمين الذين يفقدون الأمل في بناء مستقبل داخل البلاد. وهذا يعني أن إيران لا تخسر فقط القوة الشرائية للطبقة الوسطى، بل تخسر أيضاً الكفاءات والخبرات ورأس المال البشري.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الأسرة التي تقلل الإنفاق على الغذاء والتعليم والعلاج تقتطع عملياً من مستقبل أبنائها ومن قدرة المجتمع على الإنتاج. فالطفل الذي لا يحصل على تغذية كافية يعاني ضعفاً في التركيز، والشاب الذي يُحرم من التدريب المهني يدخل سوق العمل بفرص أقل، والعامل الذي يؤجل علاجه يصبح أقل إنتاجية. كما يؤدي حذف الثقافة والترفيه إلى تدهور الصحة النفسية وزيادة التوتر الاجتماعي.
ليست المشكلة إذاً في خطأ اقتصادي محدود، بل في بنية حكم أنفقت موارد البلاد على الأجهزة الأمنية والمشاريع العسكرية والتدخلات الخارجية، بينما تركت المجتمع يواجه التضخم والبطالة وانهيار الخدمات. وفي ظل الحرب، تُطلب من المواطن تضحيات جديدة، بينما لا تُمس الامتيازات الاقتصادية للمؤسسات المرتبطة بالنظام.
وخلال زيارتها إلى إيطاليا، طرحت مريم رجوي حلاً ديمقراطياً يعيد ثروات إيران إلى شعبها، ويضع التنمية والتعليم والصحة في مقدمة الأولويات. فإعادة بناء الطبقة الوسطى لا يمكن أن تتحقق عبر إعانات مؤقتة، بل تتطلب تغييراً سياسياً يضمن الشفافية، والعدالة، وحرية الاقتصاد، وسيادة القانون.
إن انهيار الطبقة الوسطى يعني انهيار الأمل في الصعود الاجتماعي. وعندما تتحول حياة ملايين الإيرانيين من التخطيط للمستقبل إلى صراع يومي من أجل البقاء، فإن الأزمة لا تبقى اقتصادية، بل تتحول إلى مصدر متزايد للغضب والاحتجاج ورفض النظام برمته.