وهكذا تعود غزة إلى واجهة الأحداث العالمية ، وكأنها تستفز الزمن بدماء أبنائها وركام بنائها ، وتقول لمن يعيشون في هذا الزمن نحن هنا فهل انتم غافلون .
حرب ثالثة تشنها إسرائيل بكامل عدتها وعتادها خلال ست سنوات لدرجة أن التاريخ سيجل هذه الفترة باسم حقبة حروب غزة ، نعم فإن غزة الآن تواجه عدوانا إسرائيليا غاشما جاء بعد إعداد وخطط مسبقة ونوايا بمبيتة ، أعلن عنها فور نشوب أزمة المختطفين الإسرائيليين الثلاثة والتي على أثرها قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باجتياح عدة مدن في الضفة الغربية واعتقلت المئات من بين صفوف أبناء شعبنا ، منتهية بالجريمة الكبرى التي ارتكبتها قطعان المستوطنين ضد الفتى أبو خضير ، لقد كان واضحا من ممارسات قوات الاحتلال وتصريحات قادتها السياسيين العسكريين بان العين الإسرائيلية على غزة ، غزة التي لم تستسلم أبدا ولم ترفع الراية البيضاء ، إذن كان الهدف الإسرائيلي من وراء حملتها على الضفة الغربية هو قطاع غزة الذي يسبب آلاما حادة في الخاصرة الإسرائيلية .
حرب واضحة الأهداف والمرامي ، وأول هذه الأهداف هو إجهاض المصالحة الفلسطينية والعمل على استمرار الانقسام الفلسطيني ، حيث نعمت إسرائيل طوال فترة الانقسام بالهدوء على حدودها مع قطاع غزة ، هذا على الأقل ما صرح به مرارا العديد من قادتها السياسيين والعسكريين ، لتأتي المصالحة الفلسطينية لتعكير الأجواء الإسرائيلية المريحة ، وثاني هذه الأهداف هو ضرب روح المقاومة والتصدي للاحتلال والوقوف في وجه مخططاته الاستعمارية ، وذلك بضرب قواعد هذه المقاومة وتصفيتها مستفيدة من مستجدات الوضع العربي والإقليمي السائد ، حيث انشغال العالم يما يجري في العراق وسوريا وتصاعد نجم الجماعات الإسلامية التي تسعى إلى فرض هيمنتها وسيطرتها على المنطقة ، تحت مسميات مختلفة منها عودة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية ما يثيره من قلق للقوى العالمية الكبرى هذا من جهة ، من جهة أخرى فتور العلاقة بل وربما توقفها بين حركة حماس وجمهورية مصر العربية التي تنظر إلى الحركة أنها احد روافد حركة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر وما رافق ذلك من اتهامات بتدخل حماس في الشأن المصري خاصة بعد ثورة ال30 من يونيو 2013 .
في ضوء هذه الظروف تعتدي إسرائيل على شعبنا في قطاع غزة في حرب تستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة بدءا بالطائرات الحربية من نوع أف 16 ، والطائرات المروحية من نوع أباتشي ، وطائرات الاستطلاع بدون طيار المختلفة الأنواع ، حرب إذا ما قاراتها بحرب عام 2012 نجدها مختلفة من حيث الحجم والكيف ، فمن حيث الحجم فان مستوى القصف الإسرائيلي اقل مما كان عليه في حرب الأيام الثمانية عام 2012 ، ولكن من حيث نتائج الحرب والخسائر التي تلحق بأبناء الشعب الفلسطيني أكثر بكثير مما كان في الحرب السابقة ففي اليوم الثاني للحرب وحني كتابة هذه السطور سقط نحو 50 شهيد ونحو 400 جريح ، ومن بين الشهداء والجرحى اسر بأكملها ، الأمر الثاني أن قوات الاحتلال توجه اهتمامها بقصف المنازل الفلسطينية بعد توجيه إنذارات لأصحابها بإخلائها ولفترات قصيرة ، وحتى كتابة هذه السطور تم تدمير نحو 50 منزلا بشكل متعمد بعد قصفها بالطائرات ، الأمر الثالث أن إسرائيل لا تتورع علن قصف المنازل بمن فيها من السكان حيث استشهدت اسر بأكملها في قصف هذه المنازل ، واقع الحال يقول أن إسرائيل تعمل في قطاع غزة على نار هادئة في انتظار التصعيد الأكبر وفق تطورات العمليات الميدانية من جهة ووفق درجة حرارة التحركات السياسية الخارجية ، المهم وبناء على تصريحات القادة الإسرائيليين إن إسرائيل ماضية في تنفيذ كل خططها واستخدام جميع خياراتها بما فيها الاجتياح البري واحتلال القطاع ، ولا خطوط حمراء أمامها
في ظل هذا العدوان الهمجي الإسرائيلي والمتوقع تصاعده تأتي المواقف العربية والدولية ضعيفة لا تزيد عن بيانات الإدانة والشجب والاستنكار، وهذا ما تعودنا عليه دائما في كل الحروب ، وكأن ما يجري في غزة ليس له علاقة بالمنطقة المحيطة ككل ، لان ما يجري الآن ما هو إلا تنفيذ للمخططات الإسرائيلية الأمريكية لخلط الأوراق في المنطقة ، وإعادة تقسيمها بما يتلاءم والنظرة الأمريكية بشأن الشرق الأوسط الجديد ، لذلك كان من المفروض اتخاذ مواقف أكثر قوة للجم العدوان على شعب اعزل ، فلماذا هذه الضبابية في المواقف ، لا الاتحاد الأوروبي ، ولا الأمم المتحدة ، ولا حتى الدول العربية والإسلامية .
فلسطينيا لا كلام اليوم سوى كلام الذين يمسكون على الزناد ليثبتوا للعالم اجمع أننا شعب جدير بالحياة وان عهود الإذلال قد ولت ، ومع ذلك مطلوب من قياداتنا مواقف أكثر قوة أيضا ، فكيف نجعل السلام خيارا استراتيجيا في ظل الاعتداءات المتكررة على شعبنا هنا وهناك ، يجب أن تشعر إسرائيل أنها أمام قيادة قوية تأتمر بأمر شعبها الذي يواجه هذه الحرب الشرسة ، هناك الكثير الذي يمكن عمله وقد اشرنا مرارا وتكرارا إليه ، سرعة التوجه إلى المنظمات الدولية ،وسرعة ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة ، وسرعة تجسيد قرار الأمم المتحدة باعتبار فلسطين دولة عضو بصفة مراقب ، ولا مفاوضات أبدا في ظل الاستيطان والعدوان ،عندها يصبح القرار فلسطينيا ، ولا بهمنا المواقف المائعة تجاه العدوان .