لم يعد الحديث عن الفساد في العراق يقتصر على ملفات مالية أو تجاوزات إدارية، بل بات يرتبط بصورة متزايدة ببنية النفوذ التي بناها النظام الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية منذ عام 2003. فقد تداخلت شبكات الفساد مع نفوذ الميليشيات المسلحة، وأصبحت المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية جزءاً من منظومة واحدة، الأمر الذي أعاق قيام دولة عراقية قوية وقادرة على فرض سيادتها.
وخلال السنوات الماضية، لم يقتصر دور هذه الميليشيات على العمل العسكري، بل توسع ليشمل التأثير في القرار السياسي، والاقتصاد، والمنافذ الحدودية، والعقود الحكومية، والقطاع المصرفي، ما وفر بيئة خصبة لانتشار الفساد المنظم. ولهذا، فإن الحملات الأخيرة التي شهدها العراق ضد بعض شبكات الفساد، رغم أهميتها، تبقى غير كافية إذا اقتصرت على ملاحقة الأفراد وتركت البنية التي تنتج الفساد على حالها.
لقد حذرت المقاومة الإيرانية منذ السنوات الأولى لسقوط النظام السابق في العراق من أن طهران لا تسعى إلى إقامة علاقات طبيعية مع بغداد، بل إلى تحويل العراق إلى ساحة نفوذ سياسي وأمني واقتصادي. وكشفت، على مدى أكثر من عقدين، عن قيام النظام الإيراني ببناء شبكة واسعة من الوكلاء والميليشيات والأجهزة المرتبطة مباشرة بـالحرس الثوري، إضافة إلى تجنيد عشرات الآلاف من العناصر لخدمة مشروعه داخل العراق، مؤكدة أن هذه الشبكات لن تكتفي بالتأثير السياسي، بل ستقود أيضاً إلى تفشي الفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.
واليوم، وبعد انكشاف العديد من ملفات الفساد، تبدو تلك التحذيرات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تكن في مسؤول فاسد هنا أو هناك، بل في منظومة كاملة أُنشئت لحماية النفوذ الإيراني، وتحويل موارد الدولة العراقية إلى وسيلة لتمويل الميليشيات وترسيخ مشروع ولاية الفقيه خارج الحدود.
ومن هنا، فإن أي مشروع حقيقي للإصلاح في العراق لا يمكن أن ينجح إذا اكتفى بملاحقة الفاسدين، من دون إنهاء البيئة السياسية والأمنية التي وفرت لهم الحماية. فاستعادة الدولة العراقية لقرارها الوطني تتطلب تجفيف مصادر النفوذ الخارجي، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء هيمنة الميليشيات على مؤسسات الحكم والاقتصاد.
وفي هذا السياق، ترى المقاومة الإيرانية أن معالجة جذور الأزمة تقتضي خطوات سياسية وسيادية واضحة، تبدأ بإنهاء استخدام البعثات الدبلوماسية الإيرانية كأدوات للتأثير السياسي والأمني، وإغلاق مراكز النفوذ المرتبطة بالنظام الإيراني، وطرد السفير الإيراني، باعتبار أن السفارة تحولت، وفق هذا الطرح، إلى مركز لإدارة شبكات النفوذ والتنسيق مع الميليشيات، وليس مجرد بعثة دبلوماسية تقليدية.
إن مستقبل العراق لن يُبنى عبر استبدال مجموعة من الفاسدين بأخرى، بل عبر تفكيك المنظومة التي جعلت الفساد جزءاً من مشروع إقليمي تقوده طهران. فكلما بقيت الميليشيات فوق سلطة الدولة، بقيت أبواب الفساد مفتوحة، وبقي القرار العراقي رهينة لمصالح خارجية لا تخدم الشعب العراقي.
لقد أثبتت التجربة أن الأمن، والسيادة، والتنمية، ومكافحة الفساد، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في معركة واحدة. ولذلك، فإن حماية العراق تبدأ باستعادة قراره الوطني، وإنهاء نفوذ الميليشيات، وتجفيف منابع التدخل الإيراني. عندها فقط يمكن للعراق أن يفتح صفحة جديدة، تقوم على دولة المؤسسات والقانون، بعيداً عن الفساد والسلاح والولاءات العابرة للحدود.