لم تعد الأزمة الصحية في إيران تقتصر على نقص بعض الأدوية أو ارتفاع كلفة العلاج، بل باتت تهدد حق المواطن في الحياة نفسها. فالمريض لم يعد يواجه المرض وحده، وإنما يواجه أيضاً أسعاراً متصاعدة، وتغطية تأمينية عاجزة، ونقصاً في الأدوية، واضطراراً إلى الاقتراض وبيع الممتلكات لتأمين أبسط متطلبات العلاج.
وتكشف البيانات المنشورة أن أسعار كثير من الأدوية ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة بين 80 و200 في المئة، بعد زيادات سابقة تراوحت بين 100 و400 في المئة عقب إلغاء العملة التفضيلية المخصصة للدواء. كما سجلت مجموعة الصحة والعلاج خلال الأشهر الأولى من عام 1405 الإيراني معدلات تضخم شهرية بلغت 15.6 في المئة في أبريل، و23.1 في المئة في مايو، و8.6 في المئة في يونيو، وهي نسب تفوق بكثير معدل التضخم العام.
ولا توفر التغطية التأمينية حماية حقيقية. فقد تحدث عامل في طهران عن ارتفاع كلفة أدوية زوجته النفسية من مليون تومان إلى مليونين ونصف المليون شهرياً، بينما بقيت مساهمة التأمين عند نحو 500 ألف تومان. وهكذا أصبح العامل مضطراً إلى دفع مليوني تومان من دخله المحدود، رغم أن الأدوية موصوفة رسمياً ومشمولة بالتأمين.
أما مرضى السرطان، فإن مأساتهم أشد قسوة. وتروي أسرة عمالية أن كل جلسة علاج كيميائي لطفلها، مع تكاليف السفر، تبلغ بين 50 و60 مليون تومان، وأن الأسرة تضطر إلى الذهاب مرتين شهرياً من قريتها إلى أصفهان. وقد لجأت إلى قروض بفوائد تصل إلى 30 في المئة لتغطية العلاج، ما يعني أن المرض لا يدمر صحة الطفل فقط، بل يدفع أسرته كلها إلى دوامة الديون والفقر.
هذه الوقائع تكشف أن النظام الصحي لم يعد قائماً على مبدأ حماية الإنسان، بل على قدرة المريض على الدفع. ومن لا يملك المال يؤجل الفحوص، أو يقطع العلاج، أو يشتري جزءاً من الوصفة، أو يلجأ إلى أدوية أقل جودة. وفي حالات كثيرة، تتحول رحلة البحث عن دواء محلي بسيط إلى تنقل بين المدن والصيدليات، بينما تكتفي وزارة الصحة بالحديث عن مراقبة المخزون والتنسيق بين المحافظات.
ولا يمكن فصل هذا الانهيار عن السياسات العامة للنظام. فالدولة التي تخصص موارد هائلة للأجهزة الأمنية والمشاريع العسكرية والتدخلات الخارجية، ثم تعلن عجزها عن تأمين الدواء، تكشف بوضوح ترتيب أولوياتها. كما أن إلغاء الدعم، وتراجع قيمة العملة، والفساد في شبكات الاستيراد والتوزيع، جعلت العلاج واحداً من أكثر أبواب الاستنزاف قسوة على الأسر.
إن أخطر نتائج هذه الأزمة هو تحول المرض إلى عامل مباشر لإعادة إنتاج الفقر. فالعائلة قد تنجو من المرض، لكنها تخرج منه مثقلة بالديون، وقد تفقد منزلها أو عملها أو مدخراتها. أما أصحاب الدخل المحدود، فهم يواجهون خياراً لا إنسانياً بين شراء الغذاء أو الدواء.
وخلال زيارتها إلى إيطاليا، أكدت مريم رجوي أن ثروات إيران يجب أن تُوجَّه إلى الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي، لا إلى القمع والحروب. وهذا الطرح يلامس جوهر الأزمة، لأن إصلاح النظام الصحي لا يحتاج فقط إلى إجراءات فنية، بل إلى تغيير سياسي يعيد الإنسان إلى مركز أولويات الدولة.
حين يصبح العلاج امتيازاً للأغنياء، ويتحول المرض إلى حكم بالفقر على الملايين، فإن الأزمة الصحية تصبح دليلاً إضافياً على فشل بنية الحكم نفسها. وفي ظل اتساع الغضب الشعبي، لن يبقى سؤال الدواء منفصلاً عن السؤال الأكبر: لماذا تُحرم إيران الغنية من أبسط حقوق مواطنيها؟