العلاقات الاستراتيجية الأمريكية الاسرائيليه علاقات وثيقة لا تتأثر بالإدارات الأمريكية المتعاقبة بصرف النظر عن انتماء الرئيس الحزبي سواء كان من الجمهوريين أو الديمقراطيين كما لا تتأثر بالمقابل بالحزب أو مجموعة الأحزاب الإئتلافية التي تحكم دولة الكيان الصهيوني لهذا فإن ما أثير عن أزمة في العلاقات بين البلدين بسبب الزيارة التي قام بها مؤخرا نتنياهو إلى واشنطن بدعوة من رئيس الكونجرس الأمريكي النائب الجمهوري هي مبالغ فيها وجرى تضخيمها لإعطاء وزن أكبر لشخص نتنياهو على قدرته على وقف توقيع اتفاق بين أمريكا والغرب من جهة وبين إيران من جهة أخرى بشأن حل سلمي للملف النووي الإيراني تساعده بالفوز على المعسكر الصهيوني بزعامة ليفني وهرتسوك في الانتخابات الإسرائيلية القادمة ومن ناحية اخرى إحراج الإدارة الأمريكية بشأن المفاوضات التي تجريها مع إيران دون تنسيق مع الحكومة الإسرائيلية التي تعتبر أن هذه المفاوضات لها علاقة مباشرة بأمن الدولة العبرية وتهديد وجودها ودورها الوظيفي في المنطقة ... أن موضوع الزيارة التي تمت قبل أسبوعين تقريبا والتي مازال صداها يتفاعل في وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية ..تلك الزيارة على الرغم من عدم مسايرتها للبروتكول الأمريكي حيث تقتضي أن تكون الزيارة بدعوة من الرئيس الأمريكي باراك اوباما وليس من رئيس الكونجرس النائب الجمهوري المتعاطف حزبه تاريخيا مع اسرائيل نظرا لثقل النفوذ اللوبي اليهودي فيه ..زيارة نتنياهو تلك رغم هذه المخالفة البروتوكولية المزعجة للبيت الأبيض الأمريكي إلا أنها ليست هي ما سبب هذه الأزمة التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية وهي على كل حال تبقى أزمة طارئه وعابرة لن تؤثر على صميم العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين بل إن الموقف من سبل التعاطي مع الملف النووي الإيراني هو الذي عمل بشكل ظاهر وملموس على وجود تدهور في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وقد جاء خطاب نتنياهو في الكونجرس الأمريكي الذي كان يقاطع أكثر من مرة بتصفيق حار بمثابة تأكيد على وجود أزمة وقد نظر إلي هذا الخطاب من جانب الحزب الديمقراطي الذي قاطعه نوابه الذين يشكلون الأقلية في الكونجرس على أنه تدخل سافر في الشؤون الداخلية الأمريكية وتحدي للإدارة الأمريكية ذاتها .. لكن الحقيقة السياسية المؤكدة والثابتة رغم ذلك أن لا خلاف جذري استراتيجي أمريكي إسرائيلي على خطورة الملف النووي الإيراني الذي من شأنه جعل إيران دولة نووية وهي دولة إسلامية شيعية كبرى وراعية لجماهير الطائفة الشيعية في العالم الإسلامي ومركز مرجعيتها الدينية اضافة انها تشكل قوة اقليمية رئيسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط وغرب آسيا لما تتمتع به نظرا لهذا الموقع الجغرافي وبحكم تاريخها الحضاري الفارسي ومواردها النفطية وبحكم أن لها مشروعها السياسي والديني الطائفي وكلا البعدين السياسي والديني يخشاهما الغرب ويتوجس منهما ويعتبرهما من عوامل عدم الاستقرار الامني والسياسي في المنطقة والعالم لأنهما لا يتوافقان مع المصالح الرأسمالية والإمبريالية الغربية كما يشكلان خطرا على كل من أنظمة الخليج العربي النفطية السنية وايضا على وجود الكيان الصهيوني حيث ما انفك المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية يعلن عن ضرورة القضاء على إسرائيل وهكذا فإن الموقف من إيران هو موقف العداء الاستراتيجي من قبل ثلاثة أطراف رئيسية : أولها امريكا ومعها طبعا دول الغرب وثانيها اسرائيل و ثالث هذه الاطراف الأنظمة العربية الخليجية السنية التي تربطها العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية الوثيقة مع الغرب بحكم المصالح المشتركة وهي أنظمة حكم وراثية يعتريها دائما المخاوف والهواجس الأمنية من هبوب رياح التغيير التي تجتاح المنطقة وايضا من تمدد النفوذ الإيراني الذي وصل أخيرا عن طريق الانقلاب الحوثي الشيعي إلى اليمن ... ولكن ضرورة التكيف مع مهمات المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة العربية بسبب الصراعات السياسية الداخلية على السلطة والتي أخذت تقوم في أغلبها على أرض طائفية ومذهبية وعرقية هي التي دفعت الولايات المتحدة اخيرا إلى ممارسة سياسة برجماتية تتغلب فيها المصالح القومية الأمريكية على غيرها من المصالح الأخرى ...تكتيك مرحلي وجدت إسرائيل في شكله ومضمونه مخالفا لطبيعة الاستراتيجية الأمريكية العامة المتعارف عنها في المنطقة و هو تكتيك صاغته وزارة الخارجية ودوائر الاستخبارات الأمريكية والذي يقوم اساسا على تليين الموقف الأمريكي والغربي تجاه إيران بهدف كسبها في الصراع القائم ضد التنظيمات الإسلامية السلفية الجهادية السنية خاصة ضد تنظيم القاعدة وما تفرع عنه كتنظيمات داعش والنصرة وغيرهما من التنظيمات الجهادية المتطرفة في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان و ... وهذا التليين في الموقف سيكون تطبيقه على الأرض ما أصبح نشاهده الآن من دعم المشاركة الإيرانية الواسعة في كل من العراق وسوريا للوقوف ضد تنظيم داعش الإرهابي السني أي مقايضة الموقف من الملف النووي الإيراني بإعطاء مزيد من الفرص لإيران حتى تثبت رغبتها في أن يكون هذا المشروع له أغراضه السلمية وليس بغرض امتلاك السلاح النووي، مقايضة هذا الموقف من الملف النووي بتوافق المصالح الأمريكية الإيرانية خاصة في العراق التي تسيطر عليه حكومة شيعية على توافق سياسي ومذهبي مع طهران ... ولا شك أن هذا الموقف الأمريكي غير المعهود الذي يأتي على حساب طبيعة السياسات الأمريكية التقليدية في المنطقة قد أغضب إسرائيل التي تعمل دائما على تشجيع القيام بعمل عسكري حاسم ضد المنشآت النووية الايرانية بهدف التخلص من هواجسها الأمنية الوجودية ... أنه تكتيك امريكي مرحلي إزعج إسرائيل لأنه لا يساير مخاوفها الأمنية وهو يعتبر ايضا من الناحية السياسية والأمنية الأمريكية موقف منفلت خارج السياق الموضوعي للمصالح الامريكية والعربية الرسمية لأن من شانه أن يثير أكثر من مخاوف النظام العربي الرسمي الذي تنتمي غالبية شعوبه للمذهب السني خاصة دول الخليج العربي الجارة من تجاه تزايد النفوذ الإيراني الشيعي الذي وصل مؤخرا إلى صنعاء كما أن تركيا وهي الدولة الإسلامية الكبرى السنية التي لها علاقة حضارية وتاريخية بالإقلية التركمانية بالموصل تتحسس أيضا من هذا التمدد الإيراني والذي يحظى في هذه المرحلة بغض الطرف عنه من قبل واشنطن .