إعتمدت القيادة الفلسطينية منذ اندلاع ثورتها مبدأ عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية، وبنت استراتيجية عملها مع عمقها العربي على هذا الأساس، ولا شك أنها دفعت في أحيان عدة ثمناً لموقفها هذا، وهو بلا شك أقل بكثير من الثمن الذي كان من الممكن أن تدفعه لو أنها اتخذت موقفاً مغايراً، وتجربة الغزو العراقي للكويت وما نتج عنها ما زالت ماثلة أمامنا، فبعد مضي أكثر من عقدين من الواضح أن العلاقات الفلسطينية الكويتية ليست بالشكل الذي كانت عليه قبل الغزو، وإن كانت الخلافات العربية تلقي بظلالها السلبية على القضية الفلسطينية، فالمؤكد أيضاً أن تعاطي القيادة الفلسطينية معها يخضع لعمليات حسابية معقدة ويتطلب منها الكثير من الحذر.
ما يستوقفنا هنا الحديث حول بدء عودة العلاقات بين حركة فتح والنظام السوري، بعد انقطاع امتد لما يزيد عن ثلاثة عقود، كان من الممكن لهذا الحديث أن يكون محل ترحيب وتقدير في الظروف الطبيعية، لكنه اليوم يحمل الكثير من المحاذير التي نحن في غنى عن تحمل تبعاتها، منذ اندلاع الإقتتال في سوريا حاولت السلطة الفلسطينية أن تنأى بنفسها عن الزج بها في أتون الصراع، فهي من جانب لا تريد التدخل في الشأن الداخلي السوري ومن جانب آخر تعي حقيقة أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا سيدفعون ثمن الموقف الفلسطيني إذا ما إنحاز لهذا الطرف أو ذاك، ورغم ذلك تم الزج بمخيم اليرموك وتحول إلى ساحة إقتتال بين الأطراف السورية المتصارعة، ودفع المئات من سكانه حياتهم ثمناً لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
لا يمكن لأي دولة عربية أو إقليمية لها علاقة بالصراع في سوريا أن تسجل على السلطة الفلسطينية أو حركة فتح تواصلها مع كافة الأطراف المتنازعة في سوريا، كون الحفاظ على أبناء شعبنا في المخيمات الفلسطينية في سوريا يتطلب منا أن نفعل ذلك تحت ضوء الشمس، لكن الحديث حول عودة العلاقات بين فتح والنظام السوري وإعادة فتح مكاتب للحركة في سوريا في ظل الوضع الراهن يمكن له أن يلقي بظلاله السلبية على علاقتنا مع العديد من الدول العربية، فالمؤكد أن دول الخليج ومعها بعض الدول العربية وبخاصة الاردن لن تنظر بعين الرضا إلى ذلك، خاصة وأن علاقتنا بالدول العربية التي تعادي النظام السوري ليست بتلك القوة التي تمكنا من تمرير ذلك دون أن تؤثر على علاقاتنا معها.
بعيداً عن العداء التاريخي الذي حمله النظام السوري لحركة فتح، وإحتضانه ودعمه للإنشقاق في الحركة وحربه على المخيمات الفلسطينية في لبنان في محاولة منه لتقويض منظمة التحرير الفلسطينية، فإن احتكمنا اليوم إلى مصالح شعبنا فلسنا بحاجة إلى خطوات توسع من الفجوة في علاقاتنا مع بعض الدول العربية، خاصة وأن علاقتنا مع كل من السعودية والإمارات والاردن التي تقود الحملة ضد النظام السوري يشوبها بعض الفتور، وبعملية حسابية بسيطة نستطيع أن نستشف أن عودة علاقات حركة فتح بالنظام السوري في هذه المرحلة تحمل من السلبيات ما يفوق بكثير إيجابياتها.
منذ اندلاع الاقتتال الداخلي في سوريا، كنا وما زلنا ضد التدخل الأجنبي في سوريا، وحافظنا على تواصل مع النظام والأطراف المتصارعة الأخرى، وأعتقد أن الأفضل لنا أن نمضي على هذه الوتيرة دون زيادة أو نقصان.