تاريخ النشر: 2018-04-15 | 15:35
تاريخ النشر: 2018-04-15 | 15:35
منذ انتهاء الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي، وبدء هيمنتها على النظام الدولي، رأت الولايات المتحدة الأمريكية في نفسها، وربما رأي العالم الليبرالي فيها "الأمة المختارة" للبشرية، وهي الأمة التي لا يستغنى عنها من أجل خدمة البشرية، فيما يتعلق بقدرتها وامكاناتها في حل الصراعات الدولية وامتلاكها سبل القوة التي من خلالها تستطيع طرح وتبني الحلول المطلوبة، وقد أطلق كثير من الباحثين الاستراتيجيين على القرن الــ21 بوصف القرن الأمريكي، ولكن اليوم وبعد عقدين من الزمن على الانفراد الأمريكي بالنظام الدولي وتحديد هويته الايديولوجية وهيكلية مؤسساته، أضحى الفشل هو العنوان، وأضحت الولايات المتحدة، هي الأمة التي يمكن الاستغناء عنها، وهي الأمة التي سببت ولازالت تسبب الآلام والقهر للبشرية، وأن الصورة النمطية للولايات المتحدة في تراجع ولو نسبي، ولم تعد هي النموذج الذي يتمنى الآخرين الاحتذاء به، بل زادت الصراعات الدولية حدة وعدداً، وأخفقت السياسة الخارجية الأمريكية التي لم تعتمد إلا على القوة الصلبة كأداة في العراق وفي أفغانستان وفي الصومال التي كان للولايات المتحدة الدور البارز فيها، وتسببت بخسائر مادية وبشرية كبيرة، وها هي اليوم تفشل في سوريا. فلم تعد تجدي نفعاً القوة الصلبة في تحقيق الأهداف الأمريكية من أجل الاستقرار، ونشر الديمقراطية الليبرالية، والحفاظ على حقوق الإنسان، حتى فشلت في تحقيق المصالح الأمريكية، سواء تعلقت بالمصالح الأمنية أو الاقتصادية أو المتعلقة بهيمنتها على رأس النظام الدولي. ولعل سعي كثير من مراكز الفكر الأمريكية والخبراء الأمريكيين للبحث عن أدوات جديدة بديلاً للقوة الصلبة التي أثبتت فشلها في تحقيق مصالح الولايات المتحدة، لهو دليل على حجم الإخفاق الذي وصلت له السياسة الخارجية الأمريكية في التعاطي مع القضايا الدولية.
فالنظام الدولي اليوم يعيش حالة من إعادة التشكل في بناه الايديولوجية وهيكلة مؤسساته، ولم يعد نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية هو المرشح للاستمرار، أو النظام المتشكل ما بعد انتهاء الحرب الباردة. فالأزمة السورية نموذج للفشل في استخدام القوة الصلبة، ونموذج لفشل هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي ونموذج لبروز قوى أخرى تسعى للتواجد في قمة الهرم الدولي، فالسياسة الروسية في سوريا مثلاً، وخلافاً للولايات المتحدة تتبع مساراً يعكس إدراكاً لأهمية توظيف القوة الذكية، والحذر في استخدام القوة الصلبة ذو التكلفة العالية، واعتقد أن الأرض السورية اليوم، هي الأرض التي سيتمخض عنها اعادة هيكلة النظام الدولي، وستشكل الدافع الرئيس للباحثين الأمريكيين لأهمية البحث عن أدوات جديدة للسياسة الأمريكية يمكن لها أن تحافظ على المصالح الأمريكية، ومواجهة التحديات، وعلى النموذج الأمريكي التي طالما تغنت به الولايات المتحدة مثل القوة الناعمة، وتحدث عنها باستفاضة "جوزيف ناي".