عندما يصل الغريب الي الغربة لا ينجذب كثيرا نحو المناظر الجمالية من حوله, ففي نظره كل الجدران متشابهه وكل الطرق التي لا تصل به الي هناك من حيث أتي هي مجرد طرق جامدة, هو يري كل شيء غريب وكل شيء ساكن رغم الصخب والضجيج, ولكن الحقيقة أنه هو الغريب فقط من بين ما يراه.
ومن بين الأسباب التي تجبر الشخص علي الغربة : الهجرة لأسباب سياسة أو اقتصادية أو ودينية, والحروب هي المحرك الأساس لترك الناس لبيوتهم وبلدانهم واللجوء الي بلدانا أكثر رخاءا وأكثر أمنا.
وفي منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا يهاجر الناس لكل الأسباب التي سبق ذكرها باتجاه أوروبا والأمريكتين والاقيانوسيية, والهجرة نوعان: شرعية ويلجأ إليها أصحاب الكفاءات العلمية وأصحاب رؤؤس المال , وغير شرعية وهي أخطر أنواع الهجرات حيث تتسبب في الوفاة إما قتلا أو جوعا أو غرقا, حيث يقطع المهاجر مسافات طويلة للوصول الي البلد المنوي الإقامة فيه, فالمهاجرون السوريون يقطعون مسافات طويلة من تركيا الي اليونان مرورا بدول المعسكر الشرقي السابق مثل بلغاريا والمجر الي النمسا الي ألمانيا الي الدنمرك للوصول الي السويد. ويتعرضون خلال هذه الرحلة الطويلة الي الابتزاز والاعتقال وحتي الي الموت
ويقطع الأفارقة من النيجر وغيرها آلاف الكيلومترات عبر الصحاري سيرا علي الأقدام للوصول الي الشاطئ الليبي ثم السفر بالبحر الي مالطا, أو الي صقلية, ويتعرض الكثير منهم الي سوء المعاملة خاصة في ليبيا التي تحتجز الآلاف منهم في مراكز اعتقال وتسيء معاملتهم الي درجة الموت ثم تقوم بترحيلهم من حيث أتوا.
ويتم إيواء المهاجرين في دول الإيواء في مخيمات إيواء لسنوات طويلة قبل أن يتم الموافقة علي منحهم إقامة الدولة التي يرغبون بالبقاء فيها.
وعودة الي زمان الغربة فقد تقابلت مع أشخاص كانوا غرباء الا أنهم لم يستطيعوا الصمود إمام وجع الاشتياق الي بلدانهم التي جاءوا منها وعادوا أدراجهم إليها رغم أنهم كانوا يعيشون في مدينة جميلة يرتادها الناس من شتي أنحاء العالم.
وبالرغم من وجع الغربة يتأقلم عدد قليل من الغرباء بينما يعيش البقية علي أمل العودة الي الشوارع والحارات التي جاءوا منها, وعند عودتهم يكون كل شيء قد تغير, فيراودهم الحنين الي الغربة.
هكذا هي حياة التشرد معركة بين العاطفة والعقل, وحساسية مفرطة وميلانكوليا وتيه, وكثر من الناس يحسدون الغريب علي تشرده, فلماذا لا يبقي الغرباء في بلدانهم يقطفون الورود من حدائقهم ويستمتعون بحياتهم كما هي.لكن الفقر والاضطهاد السياسي والقمع والموت في الحروب يجبر الناس علي الهروب.
يستطيع نفر قليل التأقلم وقبول الواقع الجديد وطي صفحة الماضي وتسجيل اختراق في المجتمع الجديد, بينما يبقي عدد كبير من الغرباء متقوقعين في مجتمع مغلق بسبب رفضهم للمجتمع الجديد, أو بسبب عدم معرفة اللغة, أو بسبب العادات والتقاليد.
ويختلف المهاجر الأوروبي داخل أوروبا عن المهاجر العربي مثلا, حيث يتأقلم الأوروبي بسرعة في بلدة الجديد ويتحدث عن خطط وأمل ورحلات وسياحة, بينما المهاجر العربي يظل يحمل وطنه في قلبه ويرحل به أينما يرحل.
ولكن وبرغم ما في الغربة من فوائد وأضرار إلا إنني أقول كشخص يستطيع العيش في الغربة: من لم يجرب الغربة فسرته الذاتية ناقصة.