تاريخ النشر: 2019-02-09 | 23:26
تاريخ النشر: 2019-02-09 | 23:26
في المشهد الفلسطيني وفي ساحة الاشتباك ماذا نرى؟؟ أبومازن رأس الشرعية و حماس رأس المقاومة و دحلان يقود تيار الإصلاح الديمقراطي داخل فتح.. حماس تصطدم بعباس وعباس يطارد دحلان ودحلان يتقرب من حماس وحماس تحتاج دحلان وعباس يشد الخناق على حماس فتزداد الأمور تعقيدا واشتباكا.. إنها لعبة موت الغرق فلن يسقط واحد دون ان يجر الآخرين.
يبدو حل المسألة يبدأ بان يصطلح دحلان مع فتح ويتماهى التيار الديمقراطي داخل مؤسسات فتح ومن جهة أخرى تقترب حماس من فتح وتسلم بحقيقة كبيرة أهمها ان فتح لن تترك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لحماس او سواها بمعنى واضح انه على حماس ان تقبل بان تكون قوة معارضة ومكون رئيسي كبير داخل النظام الفلسطيني.. لكن الأمور ليست بسهولة كتابة هذه الأمنيات فلقد ارتبطت الأوضاع بمصالح شخصية من وراء الستار وبمصالح دول وسياسات كبرى.. ومع هذا كله لابد من رفع البطاقة الحمراء للجميع: ان لا مقاومة ستنجح في ظل الانقسام وان لا شرعية ستكون كافية في ظل التمزق ولا إصلاح على أنقاض.
تعاني الشرعية الآن من فقدانها قوة الشرعية على من تمثل بعد ان قوضت إسرائيل سلطتها بإجراءات متواصلة فتذهب الى قرارات تعسفية ضد بعض من هم تحت رعايتها، والمقاومة منشغلة بالحصار والاشتباك الداخلي والإقليمي فلم تعد الا ردات فعل على عدوان يحصل من قبل الكيان الصهيوني، أما تيار الإصلاح فهو غير محدد الهدف والعنوان والأدوات مرتبك وكأن لا قضية له إلا التصدي لعباس مسلحا بعلاقات أمنية مع قوى إقليمية.
السلطة الفلسطينية وليدة منظمة التحرير الفلسطينية وأداتها للعملية السياسية التي أعقبت أوسلو تحتفظ لنفسها بشرعية التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني وترى ان ذلك ضرورة أساسية لمواصلة العمل السياسي وبدون حصرها في يدها يصبح كل الانجاز السياسي للشعب الفلسطيني في مهب الريح ولذا فهي مهما أبدت من ليونة لإشراك قوى أخرى في صنع القرار إلا انها بمجرد إحساسها بخطورة سحب بعض الشرعية خارج خطابها وبرنامجها تلتف حوله وتشن حروبها بلا هوادة.. ومن هنا كان على القوى الوليدة بعد عملية الكفاح المسلح الأولى وتشكيل منظمة التحرير ومؤسساتها ان تقترب بمزيد من الحذر لئلا تنفجر تحت قدميها تخوفات قيادة المنظمة من احتمال التشتيت والإشغال عن برنامجها..
المقاومة يحاول البعض حصرها في حماس والجهاد وهي بالتأكيد أوسع كثيرا لأنها تشمل بلاشك الجبهة الشعبية والديمقراطية واللجان الشعبية وقبل هؤلاء جميعا وفي طليعتهم حركة فتح بكتلتها الكبيرة وجسمها المنتشر في السجون وخارج السجون وتشمل المقاومة كذلك النخبة الثقافية المشتبكة وشرائح المجتمع الفلسطيني جميعا.. مع كل هذا نذهب الى المعنى الاصطلاحي فنقول ان المقاومة حماس والجهاد مع اختلاف جوهري في برنامجيهما السياسيين وجدا نفسيهما مع نهاية الانتفاضة الأولى في حالة اشتباك مع منظمة التحرير بعد توقيع أوسلو حيث رفضا التسوية السياسية وأصرا على الكفاح المسلح وللحق لابد من القول ان هذا ليس هو الاختلاف الجوهري بينهما ومنظمة التحرير.. فلقد سبق ذلك بعشر سنين اشتباكات عنيفة بين التيارين في الجامعات والشارع ذهب ضحيتها شهداء من الجانبين أساتذة جامعة وقيادات.. ذلك لان حماس منذ البداية لم تعترف بشرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني إلا إذا دخلت في المكون الأساسي لدائرة صنع القرار وخاضت حوارات متواصلة مع قيادة المنظمة لتحديد نسبة المحاصصة انتهت بالفشل باستمرار.
اما تيار الاصلاح الديمقراطي الذي يتبلور الآن في بعض قطاعات من الشباب المنتمي الى حركة فتح في غزة والضفة والذين كانوا في معظمهم في جهاز الأمن الوقائي الذي أوكلت له مهمة قمع حركات المقاومة في المنتصف الثاني من التسعينات.. انه يحاول التمحور حول مقولات معظمها أخلاقية إجرائية يعني إبراز الاختلافات الإدارية الشخصانية داخل قيادة حركة فتح وهذا التيار يحمل ارث صراع دام مع حركة حماس في الجامعات وفي الشارع وصل إلى اعنف مراحله في بعد الانتخابات التشريعية الثانية.. ومهما بدت المسافة قريبة الآن بين التيار وحماس إلا ان الاختلاف عميق في التركيب السياسي النفسي لكلا الاتجاهين الذين لا يجمعهما الآن إلا الاختلاف مع السلطة الفلسطينية لكن اختلاف التيار مع السلطة هو اختلاف مؤقت شكلي يدور حول أشخاص اما اختلاف حماس مع السلطة فهو جذري عميق لا مجال للمصالحة الحقيقية بينهما.
تيار الإصلاح الديمقراطي والسلطة مشتركان متلازمان في العملية السلمية ومدافعان بقوة عن مسيرتها إلى اللحظة الأخيرة ولا تناقض جوهري بين رؤيتيهما والخلاف كله يدور حول أشخاص ويمكن ان يحل في أي وقت واذا عز اللقاء بينهما فلن يكون تيار الإصلاح بديلا عن الآخر هذا حسب استقراء التجربة المتكررة في حركة فتح.. اما حركة حماس فالذي بينها ومنظمة التحرير فهو كسر عظم اما منظمة التحرير ومشروعها الوطني بطبعاته المتوالية والمتطورة او مشروع حماس غير الواضح في أهدافه السياسية وغير الثابت في منهجه وتحالفاته.
لكل محور من الثلاثة معطيات قوة ومثالب ضعف قاتلة.. فالسلطة رغم ان لا احد يستطيع تجاوزها على صعيد التمثيل لشرعية العمل السياسي الفلسطيني إلا أنها فقدت كثيرا من لياقتها وبدت في السنوات الأخيرة ليست كعادتها في التعاطي مع الكل الفلسطيني وفي إدارة العمل السياسي والكفاحي الأمر الذي افقدها سلطانها وسطوتها المعنوية في قطاعات معتبرة من الشارع الفلسطيني اما تيار الإصلاح الديمقراطي الذي هب مسرعا الى إنقاذ غزة وتحسس السبل لرفع الضنك على آهل غزة إلى درجة سعيه الحثيث نحو حماس التي أخرجته من غزة بالسلاح للتنسيق معها في محاولات رفع الضغط عن آهل غزة.. فرغم ذلك إلا انه لا يمثل حالة سياسية قائمة على برنامج وآليات عمل سياسي واضحة متباينة عن سواه فلو تم سحب المقولات التي تمس السلطة وأشخاصها من خطاب هذا التيار فانه يصبح متماهيا في الحالة الرسمية.. ولعل هذا التيار رغم كل ما يبذله الآن من قوة للحضور في الشارع الفلسطيني من خلال ضخ بعض الملايين من الدولارات يعاني من موقفه المخل في آخر أيام ياسر عرفات حيث مارست رموز هذا التيار التشويه والضوضاء والتشويش والإساءة لشخص ياسر عرفات في ظل هجمة أمريكية وإسرائيلية على شخص ياسر عرفات الذي رفض التوقيع على ما أراده الأمريكان والصهاينة في كامب ديفد.. وهذا ما سيجعل تيار الإصلاح الديمقراطي في فتح يعاني من وطْء هذا الموقف والسلوك غير السياسي الذي ختم به علاقته مع ياسر عرفات وهو الموقف الذي سيحرم هذا التيار ولأمد ليس قريب من التقدم كقوة طليعية في الشعب الفلسطيني الذي يحتل ياسر عرفات في وجدانه مكان القداسة ولا تزال الأحداث القريبة في ذاكرة الجميع..أما حماس فرغم انها وقفت بالمرصاد في مقاومة العدوان الصهيوني مقاومة تعز الشعب الفلسطيني وترفع شأنه رغم كل الظروف القاسية ومحاولة فرضها الأمن والاستقرار الى حد كبير في المناطق التي تقع تحت سيطرتها في قطاع غزة الا انه يجب تسجيل الخلل الخطير في إصرارها على الانفصال وخوفها من الانصياع الى منطق الكيان السياسي الواحد فوق سلطة التنظيم.. الأمر الذي يبني مواقفها جميعا على سوء الظن واختلاق الأسباب الجزئية لاستمرار التبعثر الوطني في مرحلة من اخطر المراحل..
يسجل الى حد كبير تماسك السلطة ان لا تكون في جيب احد من الأنظمة وأصحاب المشاريع في المنطقة في حين لم يصمد المحوران الآخران حيث كان للمال والمكان ديكتاتوريتهما على العلاقة بهما.. ولكن السلطة تقف مشلولة مجمدة تتحسب اضطرابا من سلوك حماس ونشاط تيار الإصلاح فتضطر الى سلوك مضطرب يزيد الطين بلة.
لم يجمع المحاور الثلاثة شيء الا أنها جميعا وقفت في الضد من نهج عرفات في مراحل مختلفة فلقد حاولت حماس إجهاض مشروع عرفات السياسي في النصف الثاني من التسعينات عندما كان يدخل فلسطينيين بعشرات الألوف من المهاجر الى الوطن مدربين على فنون القتال وخبرات سياسية وكان ينتزع ارضا ومدنا ويؤسس لدولة ويحمي ثقافة شعبه ببرامج تعليم وثقافة وإعلام وطنية، وبعد كامبديفد ظن من يقود السلطة اليوم ومن يقود التيار الإصلاحي ان سبب الخيبة السياسية وفشل التسوية مرجعه لموقف عرفات من التسوية وكيفية تعامله مع الأمريكان والتعامل مع تطورات الوضع السياسي فكان الحديث في المجالس العامة والخاصة يدور حول رحيله ولم يترك جميعهم له فرصة إكمال أي مرحلة من مراحل مشروعه و تم خذلانه في المراحل المختلفة..
لابد من التنويه ان لا خلاف سياسي الان بين المحاور الثلاثة بعد قبولها جميعا دولة على قطاع غزة والضفة الغربية ولم يكن الخلاف في يوم من الأيام سياسي.. الآن الحل ميسر تماما لمن أراد الخروج من الورطة.. يعود تيار الإصلاح الديمقراطي الى حركته الآم فتح وتحل المشاكل الداخلية بقانون المحبة الذي تعودت فتح عليه.. ثم تحصل تفاهمات عميقة وإستراتيجية بين حماس وفتح تؤسس لبناء ثقة ومؤسسات لا تزول بالاختلاف.. والا فانهها ستمسك بايدي بعضها الى الهاوية فاتحة المجال امام شعب يعرف كيف يدهش العالم بمبادرته انه شعب الجبارين..تولانا اله برحمته