تاريخ النشر: 2016-02-08 | 15:40
تاريخ النشر: 2016-02-08 | 15:40
المتابع للأحداث السياسية على الساحة الفلسطينية , يشعر بحالة من اللاوعي والعجز في الإدراك تحكم سلوك السياسيين من كافة الألوان الفصائلية , فهل يعي هؤلاء ماذا يريد الوطن ؟ وهل يطلعون بشكل جيد عن طموحات الفلسطيني في الوطن والشتات ؟ , والأدهى من هذا وذاك هل يحيط السياسيين الحاكمين منهم أو المنظرين بماهية القضية الفلسطينية ؟! , وما هو الطريق الأقرب والأسلم لإنجاز التحرر الوطني والانعتاق من الاحتلال الصهيوني .
لا يمكن أن نغفل أن لدينا في الساحة الفلسطينية ,تضارب في الرؤى السياسية فيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال الصهيوني , ويدخل أصحاب هذه الرؤى في تصادم واختلاف عميق فيما بينهم في غياب الجامع المشت أو نقاط الالتقاء ,وهذا ما يعطل أو يؤخر ميلاد البرنامج الفلسطيني الوطني الشامل ,ولعل أهمية نجاح هذا المشروع تكمن في إعلان التصادم مع الاحتلال الصهيوني والتأكيد على مقاومته بكافة الوسائل والإمكانيات , وأن أي مفاوضات مع الاحتلال يجب أن تنصب في مسار استعادة الحقوق الفلسطينية , دون تفريط أو تنازل أو التزام أمني أو سياسي ينعكس بالسلب على جوهر القضية الفلسطينية , والتي يسعى أصحابها وأهلها إلى استعادة الوطن كاملاً من بحره إلى نهره , فالاحتلال جريمة بشعة يجب أن تزول وينعدم أثرها على الأرض ويزول للأبد, ومن القواعد القانونية المتعارف عليها أن التقادم لا يسقط الحقوق , فما بالنا بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني المظلوم , فالوطن هو ملك الأجيال المتعاقبة , فلا يمكن التنازل عن شبراً واحداً منه لصالح الاحتلال تحت أي مبرر أو شعار
وهنا يبرز بوضوح حقيقة القول بأن أول لبنة للانقسام الحقيقي بين الفلسطينيين , وضعت في الجسد الوطني كانت اتفاقيات أوسلو المشؤمة ,حيث برز بوضوح الانقسام الحاد بين مؤيد لمسار التسوية وبين معارض بقوة لذلك المسار لما فيه من تفريط بكامل الوطن عبر بوابة الاعتراف بكيان الاحتلال وشرعية وجوده كدولة ,مقابل سلطة حكم ذاتي في الضفة وقطاع غزة أطلق عليها مصطلح السلطة الفلسطينية, ولقد مارست السلطة القمع عبر أدواتها الأمنية ضد المعارضين لسياساتها التفاوضية مع الاحتلال , ولقد وصل الأمر إلى حد تجريم الفعل المقاوم ضد المحتل , بدعاوي باطلة بأن الفعل المقاوم يعرض الوليد الفلسطيني للخطر , ولقد شاركت السلطة الفلسطينية والتي جاءت نتاج اتفاقية أوسلو المختلف عليها فلسطينياً , في أعمال مؤتمر مكافحة (الإرهاب) عام 1996م , والذي تم عقده في مدينة شرم الشيخ المصرية , بعد تعرض الكيان الصهيوني لموجة من عمليات الانتقام للمهندس يحيي عياش , والذي اغتالته المخابرات الصهيونية في يناير 1996م.
في المقابل تمسك الفريق المعارض لأوسلو, بموقفه الرافض لإفرازات هذا الاتفاق وخاصة الشق الأمني الذي هو صلب تفاهمات أوسلو , والذي يصب في خدمة الكيان الصهيوني بامتياز, ولقد كان أثر ذلك واضحة عبر قمع كل حالات المقاومة من مختلف المشارب الفلسطينية الإسلامية والوطنية, وكان الفريق الرافض لأوسلو يعلن في كل مناسبة الرفض المطلق للمسار التفاوضي مع الكيان الصهيوني , وانشغل- هذا الفريق في مرحلة الضعف , بعد تعرضه للقمع الواسع بالتنظير للفشل المتوقع للعملية التفاوضية في جلب واستعادة الحقوق الوطنية , ولعل هذا الفشل حدث سريعاً في أواخر عام 2000م بعد انهيار المفاوضات واندلاع انتفاضة الأقصى .
ورغم قناعة القيادة التاريخية لمنظمة التحرير والسلطة بقيادة الراحل أبو عمار رحمه الله , بفشل عملية التسوية في إنجاز أي مشروع وطني مرحلي لصالح الشعب الفلسطيني ,الا أن فريقا واسع في المنظمة والسلطة وحفاظاً على مصالحهم الذاتية , استمروا بذات المسار التفاوضي حتى في ظل الحصار السياسي والفعلي للرئيس الراحل , وبعد رحيله مسموماً تمت السيطرة من قبل ذلك الفريق على كامل مفاصل وهيئات القرار في المنظمة والسلطة , لصالح النهج التفاوضي كاستراتيجية حياة لمشروع السلطة التي تتغذي على أموال ضرائب المقاصة والمال المسيس, وبعد فشل أصحاب نهج التسوية في الحصول على الشرعية عبر انتخابات 2006م, حاولوا بكافة إمكانياتهم السلطوية ومؤسساتهم المتعددة , إجبار الفريق الفائز والذي كان يحمل شعار يد تبني ويد تقاوم , أن يسلك مسلكهم وأن يمضي وفقاً لرؤيتهم السياسية , بالقول بأن البناء والإصلاح في المجتمع الفلسطيني يحتاج إلى أن تسقط اليد الأخرى البندقية , وأن يعترف الفريق المقاوم الفائز بشروط الرباعية وفي مقدمتها الاعتراف بـ " إسرائيل ", حتى أصبح قادة السلطة يتحدثون بلسان الرباعية في الحوارات الفلسطينية الداخلية , مطالبين بضرورة الاعتراف بشرعية الاحتلال ونبذ المقاومة كوسيلة تحرر في مواجهة المحتل.
هذه الحقيقة التاريخية يجب أن لا تغيب عن أذهاننا, أمام حدة التجاذب والتراشق الإعلامي حول الدور الوظيفي للسلطة اتجاه الفلسطينيين في الضفة وغزة ,لأنه بكل صراحة هذه من تلك, والواضح أن الطرف المعترف به صهيونياً وإقليمياً ودولياً , يحاول على مدار الساعة إجبار الكل الفلسطيني على أن يسير في مركبه , فهو حصرياً صاحب المشروع الوطني وغيره ليس له الحق في تبني أي مشروع سياسي لإنجاز الحقوق الوطنية خارج رؤية السلطة السياسية القائمة على التفاوض مع الكيان الصهيوني والاعتراف بدولته , والتي تقوم على ما مساحته 80% من فلسطين المحتلة.
وهنا تبدو اللقاءات والحوارات في قطر حول المصالحة الفلسطينية من قبيل الطحن في الهواء , ففي الوقت التي يتم التفاوض على تطبيق المصالحة الفلسطينية , يذهب الرئيس عباس بعيداً بالتأكيد على التزامه الشخصي والتزام سلطته, بالتنسيق الأمني مع المحتل الصهيوني , وعلى مدار الساعة تعقد اللقاءات الأمنية بين قادة الاحتلال وقادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة !.
ويطرح هنا سؤال مهم هل المصالحة الفلسطينية تنحصر في موضوع الحكومة وواجباتها الوظيفية فقط ؟ , بكل تأكيد هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية فيما يتعلق بمصير القضية الفلسطينية ومستقبلها , في مقدمتها اجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير, والذي يعول عليه في تصحيح المسار الوطني للمنظمة , وتوسيع المشاركة الفلسطينية بانضمام حركتي حماس والجهاد , وكما أن الملف الأمني وعقيدة الأجهزة الأمنية الأكثر خطورة من الملفات المطروحة للحوار فلسطينياً , فهل تقبل حماس باتفاق يشرعن التنسيق الأمني ؟! عبر حكومة (توافق أو وحدة) تعتمد برنامج الرئيس عباس كخط سياسي لها ؟! أو أن تعترف الحكومة بـ (إسرائيل) حتى تنال الاعتراف الدولي! في اعتقادي حوار السلطة مع حماس وفي نفس الوقت استجدائها لقاء نتانياهو لا يستقيمان , فمن البديهيات أن لقاء نتانياهو يتوجب لانعقاده الابتعاد عن حماس كشرط من شروط استمرار العلاقة بين السلطة والاحتلال .
وقناعتي بأن ملف المصالحة الفلسطينية لكي يكتب له النجاح , يجب أن يتجاوز الثنائية بين فتح وحماس , بحيث يتم إشراك الفصائل الفلسطينية الفاعلة وترتيب الأولويات الوطنية ,حيث أن ترتيب الإطار القيادي الموقت للمنظمة, أولى من إجراء الانتخابات التشريعية , لأن ترتيب البيت المركزي الممثل في المنظمة , أهم من ترتيب السلطة المشار إليها كأحد مؤسسات منظمة التحرير, وكما يجب العمل على فصل قيادة المنظمة عن قيادة السلطة وعدم الجمع بينهما تحت أي ذريعة, فالمنظمة ككيان جامع للفلسطينيين في الداخل والخارج من الممكن لها أن تحمل مشروع تحرري شامل , والسلطة ذات برنامج وظيفي خدماتي لصالح الفلسطيني في الداخل المحتل , وكما أن انعقاد المجلس التشريعي المنتخب مقدم على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية , لدواعي نيل الشرعية القانونية للحكومة وإخضاعها لرقابة المجلس التشريعي أثناء مدة عملها , وكما أن الانتخابات الشاملة خيار مقدم عن أي انتخابات جزئية ,لأن(الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمجلس الوطني) مجتمعة سينتج عنها قيادة الشعب الفلسطيني الجديدة .
وهنا يقع على الفصائل الفلسطينية واجب فرض الرؤية الوطنية الشاملة ,على الحوارات بين حماس وفتح , ليصاغ برنامج وطني تحرري ,يضم الكل الفلسطيني وتتمحور كافة جهود وطاقات الفلسطينيون لإنجازه , وهنا يجب أن تنصب المطالبة على ضرورة أن يكون الحوار وطنياً جامعاً , للخروج من دائرة التجاذب بين فتح وحماس على الملفات الخدماتية ,لأن الاتفاق الوطني الشامل ينجز للفلسطينيين برنامج سياسي وطني مجمع عليه , يتم من خلاله مخاطبة العالم موحدين, وبذلك فقط يتم القضاء على كافة الخلافات السياسية في رأس الهرم القيادي الفلسطيني , وبتحقيق ذلك الأمر يتم معالجة كافة الإشكاليات والمنازعات الجانبية التي ستذوب تلقائياً , والتي لن يكون لها وجود في حالة الاتفاق والإجماع الفلسطيني على البرنامج الوطني الفلسطيني .
كاتب وباحث فلسطيني