تاريخ النشر: 2016-03-20 | 10:49
تاريخ النشر: 2016-03-20 | 10:49
الإنصاف يقتضي التذكير ، أن الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية المطاف مشروع استكمالي لأوروبا ، إلا أن ، الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، عبر القرون ، أحسنت التصرف وتجاوزت الأوروبيين بمسافات ، وهذه مناسبة استثنائية ، تماماً بالطبع ، لتناول مقدار إكداء القارة العجوز أمام التفوق الأمريكي ، التى تواجه تهديداً على المستويات الثلاثة ، الأجيال الشابة و الاقتصاد والهجرة ، وقد تكون الولايات المتحدة محظوظة ، لأن ، من اكتشفها ، خرج من الجزء الإسباني من القارة الأوروبية ، طبعاً ، حمل ومن معه ، ماضِ الفنقيين وماضِ الرمان وماضِ قريب واستثنائي ، متألق ، هو الماضي العربي الإسلامي ، فإسبانيا كل ذلك ، تقبلت وهضمت كل الحقب التاريخية التى مرت عليها ، بالطبع ، انعكس سلوك المكتشفين وجزء من المفاهيم التى حملوها على الأسس التى قامت عليه الولايات المتحدة ، لاحقاً .
بالرغم من الظروف العصيبة التى شهدها الاتحاد الأوروبي عند إنشائه ومع مرور سنوات على تأسيسه ، صحيح أنه ، تمكن الاتحاد من انجاز أعمال مشترك ، إلا أن الواقع ، لم يكن ، ولم يلبي في آن واحد ، طموحات أصحاب الفكرة ، الذي ساعد لاحقاً ظهور خلافات بين أروقته ، فتحولت المشاريع الكبرى إلى طموحات ، مركونة ، ورغم كل ذلك ، يواجه الاتحاد ، تحدي الانهيار ،وأيضاً ، هناك تحدي أخطر ، هو ، انهيار الدولة القومية ، فالدول الأوروبية ، تلاعبت بحضارتها أو بالأحرى ، وقفت بين ، دعمها للعلم وهدمها للأسرة والقدوة ، وإلى جانب ذلك أيضاً ، هناك أمر هو بالغ التعقيد ، بل الخلاص منه ليس بالأمر السهل ، تعتقد هذه الحكومات ، أن الديمقراطية ، هي ، التى تقود الاقتصاد ، إلا أن حقيقة الأمر ، مغايرة على الإطلاق ، لقد اتحدت فئتين من رجال الأعمال والسياسيين ، خلال العقود المنصرفة ، هؤلاء شكلوا قوة جبارة ، فبدل أن يعكس الاقتصاد تطور وتقدم للإنسان ، بات يشكل آلة هدم على صعيد الفرد وأيضاً ، الحضارة ، وهذا مؤشر بحد ذاته ، صارخ ، يحمل دلالات قوية حول كيفية معالجة الأزمات ، فهي ليست بطريقها إلى الحل بقدر أنها تسوق الدول الغربية إلى التفكيك والانهيارات .
بالتأكيد ، محاولات الاتحاد الأوروبي البائسة مع الأزمة اليونانية تشير بأن مستقبل الاتحاد لن يكون أفضل من المشرق العربي ، وقد تكون مشكلة المشكلات للاتحاد ، هي الأسرة ، فالقوانين التى وُضعت منذ ثورة 1848 م وتطورت تدريجياً ، تماماً ، كما أنها عالجت الكثير من القضايا المهمة ، خلقت إشكاليات كبيرة ، متعددة ، ومنها تدمير فكرة الأسرة ، أي يعني ، فقدت الجغرافيا الأوروبية عموماً ، جيل الشباب ، وهو يُعتبر المستقبل ، الذي بات مجهول ، لهذا ، لم يكن للدول الصناعية سوى البحث عن البدائل والترحيب باللاجئين الفارين من الموت والتنكيل ،حيث ، تعدها فرصة ذهبية قابلة لإعادة التوازن المفقود بين الأجيال ، لكن يبقى المجتمع الأوروبي ، رغم الحداثة والديمقراطية السائدة ، يحمل من العنصرية ما يكفي لإبقاء المهاجرين خارج الحياة الطبيعية ومعادلة الدولة حتى لو حاولت بعض الحكومات ، إضافة شخصيات من أصول أبناء المهاجرين على فريق الحكومة ، تبقى مجرد إكسسوارية لا أكثر ، وهذا يفسر على الأقل ، شعور المهاجرين بالنقص وعدم الاستقرار وفقدانهم الأمن الاجتماعي ، وبين سلسلة تحديات يواجهها الاتحاد الأوروبي ، يتصدر تنظيم داعش في ليبيا وشمال أفريقيا عموماً ، التحدي الأكبر ، حيث ، تُفهم محاولة التنظيم في مدينة بن قردان ، الجنوب الشرقي للجمهورية التونسية ، على أنها ، ليست فقط ، محاولة البحث عن موطأ قدم من أجل المرور إلى القيروان ، التى تُعتبر بالنسبة للمسلمين برابعة الثلاث بعد مكة والمدينة والقدس ، إلا أن ، غاية التنظيم الحقيقية الوصول إلى شمال أوروبا .
يتقاسم الأوروبيون مع العرب ذات التهديد ، التفكيك والانحلال ، فالشعب العربي منذ انقسامه بين الدول الحديثة وبعد انفكاك الجغرافيا العربية عن الدولة العثمانية ، تعرض إلى استبداد وطني ، مدعوم غربياً ، حيث مارس الاستبداد جميع الإفراغات ، بدايةً من التعليم والثقافة ومروراً بالاقتصاد والصناعة ، لكنه بقى محافظاً على نظام الأسرة ، تتعرض هي الآخر ، تدريجياً إلى تراجع مستمر ، بسبب عدم وجود ، في تاريخ الدولة الحديثة ، حلول للبطالة الأخذة بالتصاعد ، وأيضاً ، بسب أمر ثانِ ، اختراق المجتمعات العربية بأفكار المعولمة ، التى بدورها أفقدت الفرد دوره كمسئول عن تكوينها وأفقدته أيضاً ، القدوة الجيدة ، وهكذا تماماً ، هو الحال في الجانب الآخر ، الأوروبيون ، غير قادرين على إحداث تغيرات جذرية بالقوانين من أجل معالجة اشكالية تراجع الأجيال الشابة أمام تكدس لجيل الشيخوخة ، وأيضاً غير مهتمين في تقليص المسافة بين المهاجر الذي أصبح مواطن بحكم القانون وبين مواطن ، حفيد واضع القانون ، فما دامت النظرة العنصرية مستمر في الثقافة الأوروبية وأيضاً ، القوانين غير مكترثة في حماية الأسرة وتنميتها ، بالتأكيد ، المستقبل لا يبشر بالخير ، أبداً .
والسلام