تاريخ النشر: 2017-06-18 | 08:24
تاريخ النشر: 2017-06-18 | 08:24
لم تكن خطوات الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم المكثفة بين المسجد الحرام الى المسجد الاقصى قبل عام من الهجرة إسراءا بليل إلا ابرازا واضحا لمعالم رؤية استشرافية لحركة الأمة عبر تاريخها القادم على مثن رحلة الوعي والفعل الاسلاميين الاستراتيجيين.. لقد كانت اللحظة المقدسة المعجزة لربط الاقصى بالمسجد الحرام وتحميل الرسول ومن يأتي بعده مسئولية الربط المقدس بين المسجدين والمكانين.. وعلى هذه الارضية العقائدية جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم وآيات القرآن الكريم تحث الخطي على ضرورة الوصل بين ما هو مقدس عقيدة وما هو ضروري واقعا وتوالت الاشارات النبوية على هذا الخط محرضة للإعداد لاستلام ناصية القدس واضاءة قناديله لمن لا يستطع زيارته فكان المسجد الاقصى في حس المسلمين واضحا تماما فيما هم مستضعفون في مكة لا يملكون بعد قاعدة الانطلاق.. افتراءات قريش وازدراؤها وسياطها وعتوها وحصارها يلاحقهم ولكنهم ينجبلون لمهمة قادمة تمليها عقيدتهم بشد الرحال الى المسجد الاقصى، وما يعنيه هذا "الشد" من توفر الشروط الموضوعية جميعا..
لم تكن تسرية ولا مؤانسة روحية فقط الرحلة من المسجد الحرام بعد ان بلغ صدود القرشيين واهل الطائف عنه ذلك الصدود المشين الى المسجد الاقصى المبارك بل كانت ايضا رسم خط البناء الاساسي لامة الاسلام في المكان والجغرافيا وشد الوتر المعنوي لاعلان عالمية الاسلام بكل ذلك الزخم من الرؤية للايات المعجزة التي راها الرسول في معاني هذه الرحلة وفي الوصول الى المسجد الاقصى ودلالات ذلك من تحمل مسئولية كبرى نحو البشرية كافة واصطفاف اخيار البشر و نبلائهم وصديقيهم الانبياء عليهم السلام خلفه لتحتشد مهماتهم متكاملة مكرسة في مهمته الشاملة لانقاذ الانسان حيث هو الانسان.. وهذا هو المعنى الجليل من الوصول الى المسجد الاقصى.
وباشارة فذة كان المعراج من القدس ومن المسجد الاقصى عن صخرة وصفها علي بن ابي طالب كرم الله وجهه بانها قطعة من الجنة.. كان المعراج من الاقصى الى السماء ودخول عالم الغيب وتفاصيل الحوارات النورانية وجه القدس الاخر انه دلالات الغيب وما يلقيه في النفس من قيمة لكل ما مضى من رحلة بين مكانين على الارض وليضيف للقدس مكانة اخرى غير تلك التي اكتسبتها بامامة محمد رسول الله لجميع الانبياء وقيادتهم في مهمة انسانية شامبة اي شهادتها على عالمية الدعوة الاسلامية.. المكانة الجديدة هي انها بوابة الغيب كما انها خاتمة الشهادة.. يعرج محمد من القدس الى طبقات السموات العلا يتلقى تفاصيل دينه ومعالم منهجه مقدسا شافيا صافيا بلا اضافات بشرية ليعود الى القدس ثانية ومنها الى مكة مزودا بعالم الغيب والشهادة.
وهنا تخطر بالبال اسئلة عدة.. لعل اولها ما يدور حول سر الحكمة في انطلاق المعراج من القدس..؟ ثم لم اجتمع الانبياء لمحمد في الاقصى ولم يجتمعوا له في المسجد الحرام.. ثم لماذا تشير الايات الى المباركة حول المسجد الاقصى خصيصا.. و ما هي الايات التي يريها الله لمحمد في هذه الرحلة او بعدها؟ كل هذا يمنح القدس مكانة استثنائية في الوجدان المسلم والعقل المسلم.. هنا ترتسم مكانة القدس والاقصى في العقيدة الاسلامية وفي ادق اسرار الرسالة ومهماتها الكونية.. لتأتي خطوات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الصحابي الاستثنائي بعد سبعة عشر عاما من الاسراء وقد ارسل اليه ابوعبيدة ان "صفرانيوس" بطريرك القدس اصر على حضور خليفة المسلمين فان كان هو ما تنبيء به كتبهم فانه سيسلم القدس طواعية ومحبة.. ياتي الخليفة بكل زهده وتواضعه وحزمه ووعيه التاريخي وقد عقد مجلسا استشاريا كبيرا لعمد الصحابة كيف يذهب الى القدس هل يقبل بشرط صفارنيوس ام يدخلها عنوة وهي القدس التي طالما انتظر فتحها المسلمون؟ هنا اجمع الصحابة رضوان الله لعيهم على دخوولها فتحا بالسيف وقد اصبحت كل الظروف مواتية لهم لكن من زاوية في المجلس كان رأي الامام علي كرم الله وجهه ان لب شرط صفارنيوس واذهب اليه وادخلها سلما.. اجل ان استتشفاف قيمة القدس تجلت لدى الامام علي بان مدينة السلام التي فتحت ذراعيها لجمع الانبياء خلف محمد ما ينبغي ان تفتح عنوة ولا بد من تكريس السلام فيها وحولها فاستجاب ابن الخطاب لراي علي و حزم امره وانطلق بناقته وخادمه يتناوبان على الركوب حتى وصلا القدس..
من المهم الاشارة الى ان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه جسد في الواقع خطوات محمد صلى الله عليه واله وسلم في الغيب ..بعد ان تحققت الانتصارات في مواجهة الامبراطوريتان الفارسية والرومانية.. جاءت خطوات عمر بن الخطاب لتترجم الوعد الحق وتجسد انتصارات الاسلام وتتوجه على المشرق كله بما يحتوي من شرائع وملل وشعوب وقوميات..
بين رحلة الاسراء والمعراج وفتح القدس سبعة عشر عاما مليئة بالمعارك والتحديات والظروف المعقدة والاجابات الملائمة التي رعاها الوحي حينا في توجيهه الاساسي وقادها الرشد الانساني في اكثر حالاته تكثيفا ممثلا في محمد البشر ومحمد الرسول ومن بعده رجال كانوا في مستوى الرسالة علوا ونبلا وطهارة.. سبعة عشر عاما على انطلاق الرحلة الاولى الى القدس شهدت جدية المنهج وجدارة الرجال بان يكونوا بمستوى الرسالة فكانت الفترة الزمنية الضرورية الفاحصة لاقتدارهم وقوتهم ووعيهم وبصيرتهم فنجحوا فيها جميعا نجحوا في امتحان خلافة رسول الله وتجاوزوا ماكان يمكن ان يعصف بالكيان الوليد وانتصروا في امتحان الردة وكاد يودي باركان الامة والمجتمع ونجحوا في مواجهة الفقر والجوع وادارة الدولة ومؤسساتها بعد ان كان الرهان ان لايتمكن منها هؤلاء العرب الذين لم يخضعوا لنظام طيلة عمرهم، ونجحوا في مواجهة الخبرات العسكرية الفائقة لدى الفرس والروم، وانتصروا بان رفعوا رايات الاسلام في فارس وانطاكية.. انها الانتصارات المتوالية والعبقرية المتتالية بكل ما فيها وما معها من نبل وسمو ورجولة وعطاء وتفتح وحزم وتماسك ووعي سياسي واداري خارقين.
هنا يكون فتح القدس تحصيل حاصل وتتويج.. انه نتيجة نجاح الامة في السير على هدي خطوات محمد بن عبدالله عليه واله الصلاة والسلام سيرا نموذجيا في نشر الرحمة وازاحة الطواغيت و ارساء قيم العدل والاخوة الانسانية في جيز جغرافي قهر الجور وازاحه، و توسع المجتمع الجديد ليشهد العرب كما لم يشهدوا من قبل كيف تتساوى الرؤوس امام العدل وكيف لا يؤخذ المرء بجريرة ابيه ولا قومه.. وشهد الناس جميعا في فارس والروم ومصر ان هناك مجتمع من جبلة جديدة لاتفاخر فيه لانساب ولا اوضاع ولا تفاضل ولا تقدم الا للاتقى والاصلح والانقى.. شهد الناس انهم امام الحق والعدل والخير والرحمة.. فكان الانتصار في القدس تتويجا لالتقاء الغيب والشهادة في فعل الانتصار العظيم..تولانا الله برحمت