تاريخ النشر: 2017-12-11 | 10:27
تاريخ النشر: 2017-12-11 | 10:27
يبدو أن قدرنا، نحن الشعب الفلسطيني، أننا نواجه ليس فقط احتلال استعماري استيطاني إسرائيلي، ولكننا نواجه نظام دولي أضحت ملامحه تقوم على الظلم ولا يحترم ولا يتفهم سوى القوي، فها هي الأمم المتحدة التي أقيمت من أجل تحقيق السلم والأمن الدوليين وتوفير مقومات العدالة بين الدول والشعوب لم تعد قادرة على ذلك، بل أنها أصبحت عاجزة عن حماية قراراتها، فيما الاتحاد الأوروبي لازال حبيس عقدة ذنب اتجاه اليهود، تنظر لإسرائيل بعين الرأفة والضحية، ولا يجرؤ أن يحول مواقفه المتعاطفة معنا إلى إطار فعل حقيقي يؤثر على مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، بينما الدول العربية التي لا تجيد سوى مفردات اللغة والتعبير البلاغي، فكل ما تتمناه وتحلم به أن تصحو يوما من نومها العميق ولا تجد فلسطين وقضيتها حاضرة بين عناوين اليوم والغد، أما الولايات المتحدة وهي التي ترأس هذا النظام الدولي والمتحكمة بأجندته ومحدداته، فلا تحمل ولا تعمل ما يمكن لنا أن نستغرب منه أو يشكل لنا مفاجأة في علاقاتها بإسرائيل، فهي الأب والأم لإسرائيل وهي المودل، فمنذ عهد ترومان 1948 إلى عهد ترامب اليوم وإسرائيل أحد أهم محددات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الثابتة، ولعل مجلس الأمن وأروقة الجمعية العامة تشهد على علاقة فريدة لم يسبق لها مثيل في إرث العلاقات الدولية.
من هنا، فقرار الرئيس "ترامب" والذي أعلن بموجبه أن القدس عاصمة لدولة إسرائيل، وأن الولايات المتحدة ستنقل سفارة بلادها إلى القدس، هو تجسيد لهذه العلاقة ويشكل حالة انسجام تام وتلاق كبير ما بين مصالح دولتين في دولة واحدة، فبالرغم من أن من قام باتخاذ القرار هو الرئيس ترامب ذو الشخصية شعبوية الفكر وجدلية السلوك، ألا أن هناك من دعم ذلك في فريق مكتبه البيضاوي، حيث تشهد كواليس القرار أن نائبه "مايك بينس" المحسوب على اليمين المسيحي المتصهين والذي ينظر للموضوع من زاوية أبعاد دينية، كذلك أحد كبار داعميه في حملته الانتخابية، وهو "شيلدون أديلسون"، إضافة إلى صهره اليهودي، "جاريد كوشنر"، و "جيسون جرينبلات"، وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، "نيكي هالي"، بينما المؤسسة البيروقراطية للولايات المتحدة على رأسها وزارة الخارجية الامريكية بالإضافة لوزير الدفاع "جيم ماتيس" كانت لها وجهة نظر مخالفة للقرار، هذا من جانب، ومن جانب أخر، فقد أشار أخر استطلاع للراي لمعهد بروكنغز ذو السمعة الطيبة بين السياسيين الدوليين، أن ما يقارب 67% من الامريكيين يعارضون القرار.
فكل ما فعله ترامب، أنه يتصرف كأنه ليس رئيس للولايات المتحدة بكل ألوانها المختلفة، وإنما يتصرف وكأنه رئيس لمنتخبيه فقط، وأن كل ما يسعى إليه هو تنفيذ وعوده الانتخابية، نعم نعترف أن هذا التوقيت الذي اختارته الولايات المتحدة وإسرائيل للانقضاض على مدينة السلام القدس هو توقيت مثالي من الناحية المادية والمعنوية، فالنظام الإقليمي بدوله العربية يترنح بفعل فاعل هي الولايات المتحدة، وبعض هذه الدول تبحث عن مقومات بقائها من خلال صفقات مشبوهة على حساب فلسطين وأولى القبلتين وثالث الحرمين وشعبها المرابط منذ 100 عام، ليس دفاعاً عن فلسطين المحتلة وإنما دفاعاً عن أمة اعياها الضعف والتفرق وسلمت بهزيمة الذات، ورضيت بأن تكون اسرائيل هي مخلصها الجديد من مآزق صنعتها بنفسها. ولأن فلسطين أمانة ولا يجيد الحفاظ عليها إلا شعبها ، فالمطلوب فلسطينياً اعادة تصحيح المسار الذي طالما أعطيناه الوقت والجهد والفرصة للانطلاقة من جديد ضمن رؤية فلسطينية جامعة تحافظ على مستقبل قضيتنا ولا تترك لغبار الانكسار العربي الذي نعيشه اليوم أن يمارس عليها الاندثار. فالولايات المتحدة ليست قدراً لنا، أن تستمر راعي لعملية سلام لا تأخذ من السلام إلا اسمها، فإعادة النظر في طبيعة وشكل العلاقة مع الولايات المتحدة أضحى ضرورة وطنية لابد منها، وليس من المنطقي أن نستمر أسرى لمواقفها المتسترة على الاحتلال وجرائمه. كذلك يجب أن نعمل على تشجيع الاتحاد الأوروبي للانخراط بشكل أكثر جدية بعملية سلام حقيقية ذات معنى، وألا يقتصر دوره على الجانب الاقتصادي، والعمل على حشد كل الأحزاب الأوروبية ضد الاحتلال وممارسة كل ما يمكن من أدوات الدبلوماسية والديبلوماسية الشعبية في سبيل ذلك.
نشعر بألم من مواقف بعض الدول العربية التي تسعى لتسويق علاقتها مع اسرائيل على حساب قضيتنا، لذلك يجب ألا نعترض على أي دولة تريد علاقة مع اسرائيل، بشرط ألا تكون فلسطين هي عنوان أجندة هذه العلاقة، ونترك لكل الأحرار العرب للحكم على ذلك الموقف، ويتركونا لوحدنا فنحن فقط من يملك حماية فلسطين حتى ولو تطلب ذلك مئة عام أخرى من الصبر والظلم في مجابهة الاحتلال. فهذا القرار الجائر يجب أن يشكل لنا فرصة للصحو من أحلام عملية سلام لن تتحقق في ظل معادلة اليوم، ولنعمل على إعادة ترتيب أولويات فعلنا على كل المستويات، فشعب بهذه الإرادة والصبر لن تهزمه المؤامرات والخذلان.