تاريخ النشر: 2018-09-28 | 13:48
تاريخ النشر: 2018-09-28 | 13:48
شهد المجتمع الفلسطيني مؤخرا ازديادا ملحوظا في معدلات الجريمة: كما ونوعا، إذ لم يخل أسبوع على امتداد الأسابيع العديد الماضية من جريمة مزلزلة على الأقل، وكان بعضها صادما من حيث نوعيته، إذ اقتحمت الجريمة حصن الأسرة وقطعت أواصره: زوجات يقتلن أزواجهن، وأزواج يقتلون زوجاتهم، وإخوة يقتلون أخواتهم، وأبناء يقتلون أباهم، ناهيك عن تزايد حالات الانتحار بين صفوف الشباب خاصة في غزة، مما شكل كسرا عميقا لدائرة الأمان الأولى: الذات والأسرة! ونتيجة لهذه الجرائم التي باتت تثير خشية الكثيرين من أن تتحول إلى ظاهرة تضرب جذور الأمن الاجتماعي الفلسطيني في هذه المرحلة الفائقة الحساسية التي تمر بها القضية الفلسطينية، ترتفع دعوات لإنزال أشد العقوبات بمرتكبي الجرائم، ويؤكدون على ضرورة نبذ الأحكام العشائرية في هذه الجرائم، وتطبيق أقصى العقوبات التي يتيحها القانون للحد من تنامي الظاهرة. فهل فعلا الأحكام العشائرية هي السبب وراء تنامي الجريمة؟ وهل إطلاق يد السلطة الحاكمة قضائيا لإنزال أشد العقوبات بالمجرمين سيحول دون تحول الجريمة إلى ظاهرة؟
إن الإجابة على هذين السؤالين، يتطلب رؤية أعمق لحقيقة العنف كظاهرة نفس اجتماعية، وتفكيك للمعطيات التي أدت إلى ظهورها وشيوعها، وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة دحض التضليل الذي يمارس على الوعي الجمعي للمجتمعات إزاء الأسباب الحقيقية للجريمة، فالأحكام العشائرية لطالما كانت صارمة جدا بحق مرتكبي الجرائم، خاصة جرائم القتل، ومعروف أن الثأر عرف اجتماعي فلسطيني يبذل وجوه الخير جهودا مضنية لثني الناس عنه، لصالح عقوبات مادية قاسية، وتهجير وتشريد، ويستغرق حل بعض قضايا الدم عشائريا سنوات طويلة، فالحكم العشائري ليس بسيطا ولا هينا، لا بحق الفرد مرتكب الجريمة ولا بحق عائلته، الأمر الذي يثير تساؤلا مشروعا حول المصلحة المرجوة من إشاعة هكذا فكرة مضللة، تنبذ الحكم العشائري، وتدعو إلى تنفيذ أحكام القانون، الذي تشرف عليه السلطة السياسية بنفوذها، والتي تشير الأدبيات العالمية في هذا المجال إلى أن ممارستها للقهر هو السبب الرئيس وراء انتشار الجريمة في أي مجتمع.
إن كل فلسطيني يعيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، مدرك تماما لمعادلات الوجود والبقاء التي تفرضها السلطتين السياسيتين في شقي الوطن، فالقهر والقمع السياسي هو سيد الموقف، فالفلسطيني الذي يمارس بحقه القهر والابتزاز على السمع والطاعة، مقابل سلامته الشخصية وكرامته، يشعر في صميم ذاته بالتهديد، فعقوبات كالاعتقال السياسي، والفصل من العمل، وتلفيق التهم، والزج بالناس في المعتقلات على خلفية الرأي، والشعور الفلسطيني العام بالغبن، وبأن هناك من يلتهم كل ليلة كعكة كاملة، ويجلس ليراقب الآلاف يجرحون ألسنتهم وهم يلعقون سكينه ليحصلوا على النزر القليل من حقوقهم، ناهيك عن انتشار الواسطات والمحسوبيات في التوظيف، والتشريف، وحتى في منح التحويلات طبية، والإحباط العام من غياب الجدية لدى المسؤولين السياسيين لإيجاد حلول أو توفير حماية أو أدنى شروط الكرامة للمواطن، على امتداد السنوات العشر الماضية، كلها معادلات أنتجت الجريمة في المجتمع الفلسطيني، فالجريمة لا تصبح ظاهرة مجتمعية بين عشية وضحاها، إنما هي بذرة يلقيها النظام السياسي في المجتمع، ويتعهدها بالقهر والاستبداد، حتى تصبح شجرة أصلها ثابت في نفوس المقهورين.
تؤكد الأدبيات في هذا المجال أن القهر السياسي يفرز نوعين من العنف الاجتماعي: العنف الموجه نحو الذات، والعنف الموجه نحو الآخر على شكل جريمة، فالإنسان الفلسطيني المقهور دخل مرحلة العنف نحو الذات مع بداية الانقسام الذي أدخل حالة القمع السياسي ذروتها، وظهر ذلك على هيئة احتقار الفرد للكل الفلسطيني في محاولة لتبرأة الذات الفردية من إثم هذا الواقع المتردي، وازدياد حالة الأسى العام على الحال، وإلصاق المسؤولية الأولى على الأحزاب والفصائل الحاكمة، للقول بأننا لا علاقة لنا بهذا الوحل، ناهيك عن تنامي ظاهرة السخرية من الحال، فهذه أول مراحل العنف الذاتي، تليها مراحل العنف اللفظي الذي يظهر على شكل سباب وشتائم وتخوين، وتكفير للآخرين، يرافق ذلك عادة تكتل للتجمعات الصغيرة داخل المجتمع الكبير، كنتيجة طبيعية للقهر السياسي الذي يعزز في الفرد الشعور بأنه متروك، ومستهدف، فيلجأ الناس إلى بناء حصونهم في تجمعات داخل المجتمع، يتعصبون لها، ويحمونها لتحميهم، وقد شهدت السنوات الأخيرة تجمع للعائلات الفلسطينية في دواوين العائلات، ومحاولات لتعزيز الحمولات، وإفراز حمولات قوية تدافع عن أبنائها وتوفر لهم ما تحرمهم السلطة السياسية منه: الشعور بالانتماء إلى جماعة قوية، والاحساس بالأمان الاجتماعي.
وكان من الطبيعي جدا أن يتمخض عن هذه الطاقة العنيفة الموجهة نحو الذات تزايد في حالات الانتحار، وكذلك تزايد في معدلات الجريمة، فالمجتمع المقهور سياسيا، يلجأ بعضه إلى الهروب من القمع، بنبذ ذاته، ويلجأ البعض الآخر إلى الهروب فيه، بأن يصبح جزء من منظومة القمع، وبذلك يحترف الجريمة تجاه الآخرين.
تعتبر الجريمة الاجتماعية، آخر مظاهر رد الفعل الجمعي على القهر السياسي، كنتيجة لتراجع الانتماء الاجتماعي، وفصل الإنسان نفسه عن مجتمعه المقهور لينجو بأعماقه من ألم الشعور بالقهر، ويدفع ذلك شريحة واسعة إلى امتهان الجريمة للتماهي بالسلطة المستبدة، ولأخذ ما يعتقدون أنه حقوقهم من الآخرين، ولحماية أنفسهم من قهر السلطة الحاكمة بتكوين سلطة موازية لها، سواء سلطة عائلية أو قبلية، أو حزبية.
إن تنامي الجريمة في المجتمع الفلسطيني ليس ظاهرة فردية ناتجة عن خلل نفسي أو سلوكي عند مرتكبي هذه الجرائم، بل هي نتيجة لعقد طويل من القهر السياسي المنهجي الممارس على المتجمع الفلسطيني، ضمن مرحلة ترويض الشعب على السمع والطاعة، تحت مبرر الانقسام وحفظ النفوذ لكل حزب في مناطق نفوذه، ولمحاربة هذه الظاهرة ومنع انتشارها على نحو قد يهدد وجودنا الفلسطيني على أرضنا في هذه المرحلة الحساسة جدا من قضيتنا، على العقلاء والشرفاء أن يتغلغلوا ويتقدموا في التجمعات الاجتماعية البديلة عن النظام السياسي العاجز عن منح المواطن الشعور بالأمن والعدالة، لتوفير بيئات حاضنة لعذابات الناس تحول دون نزوع المقهورين إلى العنف الذاتي أو الاجتماعي، والمجتمع الفلسطيني لديه بنية اجتماعية مساندة لنمو هذا النوع من المؤسسات البديلة، فالتجمعات العائلية والقبلية، والقروية، والمراكز الفاعلة مجتمعيا إذا تصدر العقلاء والشرفاء مشهدها شكلوا حاضنة مجتمعية، يصرف الناس فيها خوفهم، وإحساسهم المقيت بالاستهداف، وشكلت درعا يحول نهش الفلسطينيين لبعضهم على خلفية الشجار العائلي، وتداعياته الخطيرة على السلم والأمن الاجتماعي.