لم تقُم القيامة في غزة لتُختصر نتيجتها في رقمٍ حقير يُعلن على شاشات الفخر والتمجيد: 250 أسيراً. لقد سُحِقَت المدن، وانهارت البيوت فوق ساكنيها، وذاب الصبر أمام طوابير الجوع، وسُحِقت الكرامة على الأرض — ثم يُقدَّم هذا الحساب كـ"انتصار". أيُّ تبريرٍ أقبح من هذا؟ وأيّ قانون أخلاقي يسمح بأن يُصبح دم الشعب ورماده ورقةً للتبادل والمهانة؟
ما بين القيامة والصفقة: خيانة أم فشل استراتيجي؟
ليست مجرد صفقة تفاوضية؛ إنها مأساة سياسية وأخلاقية. عندما تُقدَّم معاناة شعب على طاولة المساومات، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود الأخطاء التكتيكية، بل تتعدّاها إلى خانة الخيانة.
قادة يقفون أمام الناس بكمائم الكلمات النظيفة، وكأن مهمة قيادة الحرب كانت عرضاً تلفزيونياً يمكن قطعَه وتغليفه بشعارات براقة. أما الواقع فقد كان ميداناً من الحفر: شهداء وجرحى ونازحون ومآسٍ إنسانية. ثم تأتي النهاية المعلنة: 250 أسيراً — وكأن شيئاً لم يكن!
حساب الدم: لا توازن بين الحريق والرقم
لا يجوز أن نقارن بين «حجم الدمار» و«حجم الرقم المُعلَن» وكأنَّ هناك مقياساً واحداً للإنجاز. إنجاز يعادله حيّ واحد، أو طريق يعود إليه طفلٌ، أو مسكنٌ لأسرة — هذه مقاييس لا تُقاس بأرقام تُبثّ على الهواء.
أما الأخطر فهو أن هذه النتيجة تُشرعن لفرضيةٍ سياسية خطيرة: أن الدم يمكن ترويجه ورقماً يُوظَّف إعلامياً لصياغة واقعٍ جديد. واقعٌ يجعل من غزة تابعيةً سياسيةً، ومن قضيتها فِتاتاً يُتنازع عليه أطراف لا تبالي بأوجاع الناس.
عن الوساطات والوسطاء: لماذا كل هذا؟
هل كانت الوساطات والوسطاء من أجل إنقاذ الشعب أم من أجل إعادة تشكيل مشهدٍ جيوسياسي؟ عندما يستدير ملف القضية ليجد مَن يوقّع عليه باسم الشرق والغرب، فإن السؤال الأخطر هو: من استفاد؟
الوسطاء الذين تباروا أمام الكاميرات لم يأتوا للكرامة، بل جاءوا لتثبيت مصالحهم. والشعب؟ سيبقى يُحصّي خسائره ويعيد بناء ما تبقّى من حياته بأيدٍ خاليةٍ من السلطة والرعاية.
أين الأقصى في هذا الحساب؟ وأين الكرامة؟
إذا كانت الحرب "من أجل المسجد والمقدسات"، فأين بندٌ واحد في الاتفاق يضمن حمايتها من اقتحامات المستوطنين؟ إن لم يكن هناك بندٌ واحدٌ يُعيد للمقدس هيبته، فماذا إذن كان الهدف الحقيقي؟ أصبحت الشعارات الكبيرة ذريعةً لارتكاب أصغر الحماقات: التفريط بالوطن تحت غطاء الوطنية.
الرسالة الردعية: محاسبة وليس تسامحاً ساهراً
لن يكون الصمت خياراً مقبولاً. إن كان هناك درسٌ وحيدٌ يفرضه هذا المشهد فهو: محاسبة القادة والمسؤولين عن الحسابات التي تُدفع بها دماء الناس.
ليست المحاسبة بدعوةٍ للعنف، بل بمطالبةٍ جماهيريةٍ شفافة:
كشف الحسابات والإفصاح عن تفاصيل المفاوضات.
مساءلة من اتخذ قرارات الحرب والهدنة.
إعادة بناء هيكل قيادةٍ يضع مصلحة الناس فوق التفاهمات الدولية والسياسات الخارجية.
هذه محاسبة وطنية، ليست انتقاماً؛ هي استرداد للكرامة وطوق نجاة أمام المزيد من التنازل.
في ختام سطور مقالي : غزة تستحق أكثر من رقمٍ بائس
تم الإفراج عن 250 أسيراً — نعم. لكن غزة، التي أُخذ منها الحياة وتركها الناس لتسابح موجةً من الخيبة والعوز، تستحق أكثر بكثير من إعلانٍ يُمحى بصورٍ وشعارات.
إنّ كلّ من صمت أو تواطأ أو نصب نفسه متحدثاً باسم الدم دون أن يقدّم حساباً حقيقياً، سيكون أمام سؤالٍ أخلاقيٍ وتاريخي لا يرحم.
غزة لم تُخلق لتُباع في سوق التفاهمات، بل تبقى الحكاية التي لا تموت؛ ونحن، أهلها وكل حيٍّ حرٍّ، مطالبون بحمايتها من كل من يستخدمها ستاراً لصفقات تُهدر الكرامة.