تاريخ النشر: 2017-09-23 | 08:06
تاريخ النشر: 2017-09-23 | 08:06
استمعت واستمع الكثير الكثير إلى الخطاب الأخير للرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة ، وتابعت باهتمام بالغ إلى كثير من ردود الأفعال حول هذا الخطاب ، والتي كانت ما بين مؤيد لما جاء فيه من كشف صريح لعورات الشرعية الدولية وعجزها عن تنفيذ قراراتها ، وسيادة سياسة ازدواجية المعايير عند تناول القضية الفلسطينية ، وما بين معارض لا يرى فيه أي جديد ، بل رأى فيه الانهزامية والضعف ، حيث جاءت هذه المواقف من منظور ورؤى حزبية وفصائلية ضيقة .
دعونا نتحدث قليلا بشيء من الصراحة ، كاتب هذه السطور كان واحدا من أبناء هذا الشعب الذين استمعوا لهذا الخطاب ، وكنت أمل قبل أن يقف الرئيس على منصة الإلقاء أن يكون الخطاب ناريا ، فيه الكثير من القرارات الفلسطينية القوية ، أبرزها انتهاء حقبة أوسلو ، وإعلان الدولة الفلسطينية وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي ، انطلاقا من قرار الأمم المتحدة رقم67/19 لعام 2012 ، ويطالب المجتمع الدولي بضرورة وضع حد لاحتلال دولة لدولة أخرى معترف بها ، كنت أتوقع الإعلان عن سحب اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل حتى تعترف بالدولة الفلسطينية ، لكننا سمعنا خطابا من نوع جديد ، كان خطاب مفاجأة ، لأنه جاء مطابقا لما يدور في خلدنا ونؤمن به إذ جاءت كلماته كالحجارة ، نعم حجارة فلسطينية تلقى على الأمم المتحدة وقراراتها ، لعقمها وعدم فاعليتها وتنفيذها ، والسبب عدم قدرة المجتمع الدولي من اتخاذ أي إجراء عملي تجاه دولة إسرائيل المتمردة على هذه القرارات ، لقد ضربت إسرائيل بعرض الحائط بكل القوانين والأعراف والمعاهدات الدولية ، بكل قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن منظمات ومؤسسات الأمم المتحدة ، بكل المبادرات الدولية من الشرق والغرب ، بكل قرارات المؤتمرات الدولية ، ورفضت الأيدي الفلسطينية الممدودة للسلام .
خطاب كان بمثابة الإعلان عن فشل الجهود المبذولة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى اللحظة ، سنوات زادت عن العشرين عاما من المفاوضات لم تخرج عن طور العبثية وإهدار الوقت ، في المقابل استمرار إسرائيل في انتهاج سياساتها الاستعمارية والاستيطانية في الأراضي الفلسطينية ، نهب للأراضي ، توسع استيطاني ، طرق التفافية ، حصار ، اعتقالات بالجملة بين صفوف الفلسطينيتين ، نهب للموارد ، الدفع لتهجير الفلسطينيين بما يعرف سياسة الابارتهايد وتكريس التمييز العنصري للعمل بسرعة على تحقيق يهودية الدولة .
اعتقد أن الرئيس محمود عباس وهو الرجل الذي تخطى سن الثمانين من عمرة ، إنما أراد بهذا الخطاب هو وضع الفلسطينيون قبل غيرهم أمام مسؤولياتهم ، ليقول لهم لقد استنفذت كل المحاولات ، ولم نصل إلى نتيجة ، ويقول : هذه أمانتكم بين أيديكم، هذه قضيتكم فامسكوا بها جيدا .
نعم اعتراف صريح بعدم جدوى المفاوضات في هذه المرحلة خاصة من يسيطر على إسرائيل اليمين المتطرف ، والدعم اللا محدود من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية ، أمام العجز العربي الحالي ، وكفى فرقة وتشرذم ، كفى رفع شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع أمام شعب يريد الحياة كباقي شعوب الأرض .
اننا وإذ نرى أن ما جاء به الخطاب هو عين الصواب ، فإننا نأمل من الكل الفلسطيني عدم الخوض في الانتقادات التي لا طائل لها ، واعلموا أننا نعيش واقعا نعرفه جميعا ولكننا نتغافل عنه وهو :
أولا : أن السياسات الإسرائيلية والممارسات القمعية التي يقوم بها الاحتلال إنما هي بفعل استخدام القوة العسكرية منذ اليوم الأول للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 ، هذا يعني أن استخدام القوة في مصادرة الأراضي ، وبناء المستوطنات ، والتوسع الاستيطاني المستمر ، والاعتقالات ، والاحصار ، ونهب الموارد ، والتهجير ، والقتل والتشريد إنما هي قائمة قبل توقيع اتفاقية واسلوا ومستمرة إلى الآن .
ثانيا : أن فشل المفاوضات بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي ، يجب أن ينظر إليه على انه نجاح للسياسة الفلسطينية القائمة على عدم التنازل أو التفريط بالثوابت الوطنية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطينية ، وان هناك خطوط حمر فلسطينية لا يمكن لأي فلسطيني تجاوزها ، ولو كان هناك أي تفريط أو تنازل لرأينا اتفاقات بذلك، لكن هذا لم يحدث ، لان إسرائيل ترفض الحقوق و المطالب الفلسطينية، وأن سياسة التنسيق الأمني ، التي يعزف البعض عليها هي مفروضة على الفلسطينية وفي معظمها من اجل تحركنا من والى فلسطين وبين المدن والبلدات الفلسطينية , وفي اعتقادي انه مهما أعلن عن وقف هذا التنسيق إلا انه سيبقى بصورة ا أخرى لان إنهائه نهائيا ، يعني تشديد الممارسات الاحتلالية بشكل أكثر أي عودة الحكم العسكري الإسرائيلي إلى الأراضي الفلسطينية .
هذه حقائق يجب أن نعرفها ونعيها جيدا بدون اتهامات وتخوين بعضنا البعض ، وان نبحث عن كلمة هنا أو هناك ونقف عندها وكان الدنيا قامت ولم تقعد ، كعبارة الإرهاب المحلي التي أشار إليها الرئيس ، فهي في الأصل لا يقصد بها المقاومة بل يقصد بها الإرهاب الحقيقي المعروف والموجود في الدول المجاورة كما اشر .
الخطاب هو دعوة صريحة إلى تقييم المرحلة الماضية وتصحيح المسار ، وهذا يجب أن يتم عبر المؤسسات الفلسطينية ، المنبثقة عن منظمة التحرير كالمجلس الوطني الفلسطيني ، وهذا لا يأتي إلا بانتخابات شاملة رئاسية وبرلمانية .
ولكي نصل إلى هذه المرحلة بسرعة دون ضياع الوقت لا بد من إزالة اكبر عقبة في طريقنا ألا وهي الانقسام الفلسطيني ، وعودة اللحمة الوطنية الفلسطينية ، فلا بد من دعم الخطوات التي تم التوافق عاليها مؤخرا في القاهرة وبرعاية مصرية ، وسرعة تطبيقها وعدم وضع العراقيل أمامها ، عندها سوف تتشكل رؤية فلسطينية سريعة للمستقبل ، ويتم رسم الطريق الذي سنسلكه من اجل تحقيق طموحاتنا وإقامة دولتنا المستقلة على أرضنا وعاصمتها القدس الشريف .
أكرم أبو عمرو