تاريخ النشر: 2016-04-04 | 20:14
تاريخ النشر: 2016-04-04 | 20:14
كعادته، يقضي ابو بلال جزءا كبيرا من يومه وهو يتحدث مع زملاءه واصدقائه على الهاتف، يطلب هذا ويرد على ذاك،
شركة الاتصالات الفلسطينية توفر مشكورة للمكفوفين هواتف ثابتة بطريقة شبه مجانية، نوع من التكافل الاجتماعي تساهم فيه شركة الاتصالات
من خلال الهاتف كون ابو بلال شبكة كبيرة من الاصدقاء والصديقات، فليس غريبا عليه ان يقضي ساعات طويلة يناقش خلاف احد زميلاته المكفوفات مع اهلها او زوجها، او ان تستشيره موظفة في شركة الاتصالات في مشكلة اجتماعية تواجهها!!!
ابو بلال يملك من الخبرة وحلاوة الحديث وحسن الرأي والتدبير ما يغري الاخرين في الاستماع الى نصائحة والاخذ بارائه
واحدة من زميلاته المكفوفات والعاملات عرضت عليه الزواج منها والانتقال للعيش معها في بيتها. رفض ابو بلال هذا العرض المغري وكثيرا من العروض الاخرى للزواج اكراما لذكرى ميسر الغالية ورفيقة الدرب الطويل
في تلك الليلة المشؤومة كان صوت ابو بلال ملعلعا، ليس كعادته في الفترة الخيرة بعد وفاة ميسر زوجته، يتصل مع هذا ويحرض ذاك من زملائه المكفوفين لينتخبوا القائمة التي يؤيدها في انتخابات جمعية المكفوفين بغزة. قضى ليلته في الاتصالات والحديث والنقاش والاقناع مع كل اعضاء الجمعية العمومية. في الصباح الباكر وجد نفسه ممدا دون حراك
تم نقل ابو بلال الى مستشفى ناصر غرب خانيونس، وهو يعاني من نزيف دماغي حاد ومنتشر، وفقدان كامل للوعي وشلل نصفي
الجميع بما فيهم الاطباء فقدوا الامل في امكانية شفاء ابو بلال، ولكن عمر الشقي بقي، بعد شهور ليست بالطويلة، ومتابعة جيدة في مستشفى ناصر، ومركز الوفاء بغزة، وعلاج طبيعي في مستشفى ومركز الامل للعلاج الطبيعي التابع لجمعية الهلال الاحمر بخانيونس، تعافى ابو بلال وشفي من التقرحات العميقة التي نخرت لحمه الطري وعاد للحياة من جديد
ابو بلال نوع جديد من البشر بالنسبة لي!!!
لا تستطيع ان تفهمه بسهوله، تحبه احيانا وتجفوه احيانا اخرى،
تتعاطف معه مرات وتحاول ان تقسوا علد. رياض عبدالكريم عوادية في بعض المرات،
كبريائه واعتزازه بذاته يحيرك!
هل هذه عزة نفس ام نوع من المكابرة والدهاء؟
معنوياته دائما عالية ولا يعرف اليأس،
تأنس لحديثه وقصصه وحكاياته الصغيرة
تجد عنده اجوبة لاي قضية تريد ان تستشير فيها احدا من ذوي الخبرة!
الحياة علمته وطول المعاناة وتنوعها صهرت افكاره وأمدته بحصافة وسداد رأي يفتقده كثيرا من المبصرين!!
ابو بلال شخصية محيرة، ولكنك لا تستطيع في النهاية الا ان تحترم خبرته وتاريخه الطويل من النضال والشقاء والبؤس والصمود من اجل بناء اسرة وتوفير مقومات الحياة لها رغم عجزه وضعفه الذي لا يحب ان يبديه لأحد؟!
لا يعادي ابو بلال احدا ويحب الجميع ويعطف على صغيرهم ومريضهم، لكنه يرفض اظهار مشاعره حتى نحو مثل هؤلاء الناس، لكن ليس غريبا عليه ان ترى دموعه وقد تساقطت فجأة من عينيه الصغيرتين!
الآن، يقضي ابو بلال أيامه الاخيرة وحيدا دون معيل او مساعد يعينه على قضاء ما تبقى له من عمر، ليتغلب على فقره وعجزه ومرضه....اليأس بدأ يتسرب الى نفسه رويدا رويدا.....
أبو بلال اصبح وحيدا، فمن له بعد الله؟!