قبل ساعات من شروق الشمس، يبدأ المشهد الذي يتكرر كل يوم في أنحاء متفرقة من قطاع غزة. رجال ونساء وأطفال يصطفون في طوابير طويلة، يحمل بعضهم أكياسًا فارغة، فيما يتمسك آخرون ببطاقات التسجيل أو أوراق تثبت حاجتهم للمساعدة. لا أحد هنا يبحث عن رفاهية الحياة؛ الجميع يبحث عن وجبة تسد الجوع، أو طرد غذائي يكفي الأسرة أيامًا قليلة، أو جرعة دواء لمريض ينتظر العلاج.
في مدينة أنهكتها الحرب، لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد دعم إضافي، بل أصبحت جزءًا من معركة البقاء. فبعد أشهر طويلة من الدمار والنزوح وفقدان مصادر الدخل، تحولت السلال الغذائية إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا منزل أو عمل أو مورد رزق.
وسط هذا المشهد، تواصل اللجنة المصرية للإغاثة في غزة تنفيذ برامجها الإنسانية، في محاولة للتخفيف من معاناة الأسر المتضررة، وإيصال المساعدات إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
من الميدان... حيث تبدأ الحكاية
عند أحد مراكز توزيع المساعدات، يتحرك المتطوعون منذ ساعات الصباح الأولى. شاحنات تفرغ حمولتها، وصناديق غذائية تُرتب بعناية، فيما يعمل عشرات المتطوعين على تنظيم حركة المستفيدين وتسهيل عملية التوزيع، وسط أعداد كبيرة من العائلات التي تنتظر دورها.
ورغم حرارة الطقس والإرهاق الواضح على الوجوه، لا تكاد تسمع شكوى. الجميع يدرك أن الظروف أكبر من الجميع، وأن كل دقيقة تعني وصول المساعدة إلى أسرة جديدة تنتظرها بفارغ الصبر.
وفي الزوايا القريبة، يجلس أطفال يراقبون المشهد بصمت. بعضهم يحمل أواني فارغة، وآخرون يلتصقون بأمهاتهم، بينما تمتزج في أعينهم مشاعر الانتظار بالأمل.
شهادة أم نازحة
تقول السيدة أم الحسن محمد ، وهي تحتضن طفلها وتحمل سلة غذائية:
«"منذ نزوحنا فقدنا كل شيء تقريبًا. هذه المساعدة ليست مجرد طعام، بل هي رسالة تقول إن هناك من يشعر بنا. عندما أعود إلى أطفالي ومعي ما يطعمهم، أشعر أن هذا اليوم كان أقل قسوة."»
رجل فقد منزله... ولم يفقد الأمل
يجلس ابو السيد النجار وهو رجل خمسيني بالقرب من نقطة التوزيع، ينتظر دوره بهدوء، قبل أن يقول:
كنت أملك بيتًا ورزقًا، واليوم أعيش في خيمة. لم أتخيل يومًا أن أقف في طابور للحصول على مساعدات، لكن الظروف أجبرت الجميع، كل من يمد يد العون لأهل غزة يخفف عنّا جزءًا من هذا الحمل الثقيل.
طفل يختصر الحكاية
بعيدًا عن عدسات الكاميرا، كان طفل لا يتجاوز العاشرة يحمل صندوقًا غذائيًا بكلتا يديه، ويحاول السير به رغم ثقله.
وحين سُئل ماذا سيقول لوالدته عندما يعود، ابتسم وقال:
أمي ستكون سعيدة اليوم سنأكل معًا.
كانت تلك الكلمات القليلة كافية لتختصر حجم الحاجة التي تعيشها آلاف العائلات في قطاع غزة.
عمل إنساني وسط ظروف معقدة
وفي حديثه لنا، قال مدير عام اللجنة المصرية للإغاثة في قطاع غزة، الاستاذ معين أبو الحصين، إن اللجنة المصرية للإغاثة تأسست في قطاع غزة بموجب توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، كخطوة إنسانية لدعم الشعب الفلسطيني في ظل الأزمات المتتالية.
وقال أبو الحصين إن اللجنة نفذت خلال الفترة الماضية حملات لتوزيع السلال الغذائية وعلب اللحوم، ومبادرات لإزالة الركام وفتح الطرق، إلى جانب حملة "نظرة أمل" لتوفير النظارات الطبية للأطفال، ومبادرات سقيا المياه، ودعم طلبة الثانوية العامة، فضلًا عن توزيع الدقيق والسلال الغذائية لمرضى حساسية القمح.
عشرات الآلاف من المستفيدين
وأوضح أبو الحصين أن عشرات الآلاف من أهالي قطاع غزة استفادوا من المساعدات الإنسانية التي شملت الغذاء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية.
اهتمام خاص بالأطفال والنساء
وأشار أبو الحصين إلى أن الأطفال والنساء يحظون بأولوية في برامج اللجنة، من خلال مبادرات صحية وتعليمية وأنشطة ترفيهية ودعم نفسي للتخفيف من الآثار الاجتماعية والنفسية للحرب، إضافة إلى توفير المساعدات الغذائية والإغاثية للأسر الأكثر احتياجًا.
وكشف أبو الحصين عن إنشاء مخيم خاص لرعاية الأيتام يضم مختلف الخدمات الأساسية، مؤكدًا أن اللجنة مستمرة في توسيع تدخلاتها الإنسانية والمجتمعية، بما يسهم في تعزيز صمود المواطنين والتخفيف من تداعيات الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها قطاع غزة.
وأضاف أبو الحصين أن هدفنا هو تقديم المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان، لذلك تعمل اللجنة المصرية للإغاثة على إيصال الدعم الإغاثي الفوري إلى الفئات الأكثر احتياجًا في مختلف مناطق قطاع غزة، من خلال برامج إنسانية متكاملة تساهم في التخفيف من معاناة المواطنين وتحسين ظروفهم المعيشية.
وأكد أبو الحصين أن اللجنة تؤمن بأن العمل الإنساني واجب وطني وأخلاقي، وأنها تواصل جهودها لتقديم كل ما يمكن من دعم ومساندة للأسر المتضررة، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه العمل الإغاثي في ظل الظروف الراهنة.
ويؤكد العاملون الاغاثيون في اللجنه المصرية للإغاثة أن المهمة لا تقتصر على توزيع المساعدات، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، من حصر احتياجات الأسر، وإعداد قوائم المستفيدين، والتنسيق اللوجستي، وصولًا إلى ضمان وصول الدعم إلى أكبر عدد ممكن من المتضررين.
وفي ظل استمرار الأزمة، تبقى التحديات كبيرة؛ فالحاجة تتسع يومًا بعد يوم، بينما تتطلب عمليات الإغاثة جهودًا متواصلة لضمان العدالة في التوزيع والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
اللجنة المصرية للإغاثة... حضور يتجاوز المساعدة
خلال جولتنا الميدانية، بدا واضحًا أن أثر اللجنة المصرية للإغاثة لا يقتصر على ما تقدمه من طرود غذائية أو مستلزمات أساسية، بل يمتد إلى ما تمنحه للعائلات من شعور بأن هناك من يشاركهم المحنة ويقف إلى جانبهم في أصعب الظروف.
ويؤكد عدد من المستفيدين أن قيمة المساعدة لا تكمن فقط في محتواها، وإنما في توقيتها، إذ تصل في وقت أصبحت فيه غالبية الأسر تعاني أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة.
كما يشير متطوعون إلى أن أكثر اللحظات تأثيرًا هي تلك التي يرون فيها ابتسامة طفل، أو دعوة صادقة من أم، أو دموع رجل حاول أن يخفيها وهو يتسلم المساعدة، وهي مشاهد تمنحهم دافعًا للاستمرار في أداء رسالتهم الإنسانية.
الإنسانية تُقاس بالمواقف
في الأزمات الكبرى، يصبح العمل الإنساني اختبارًا حقيقيًا لقيم التضامن. فالمبادرات التي تصل إلى الميدان، وتلامس احتياجات الناس، وتخفف عنهم جزءًا من معاناتهم، تترك أثرًا يتجاوز اللحظة، ليبقى في ذاكرة من عاشوا تلك الظروف.
ورغم أن المساعدات وحدها لا تستطيع إنهاء آثار الحرب، فإنها تمنح آلاف الأسر فرصة للصمود، وتحافظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتؤكد أن قيم الأخوة والتكافل تظل أقوى من قسوة الأزمات.
ومع غروب الشمس، تنتهي ساعات طويلة من العمل، لكن الطوابير لا تنتهي، والاحتياجات لا تتوقف. يغادر الناس وهم يحملون ما تيسر من المساعدات، ويعود المتطوعون في اللجنه المصرية للإغاثة لترتيب يوم جديد، مدفوعين بإيمان بأن كل سلة غذائية تصل إلى أسرة محتاجة تمثل خطوة صغيرة في مواجهة معاناة كبيرة.
وفي غزة، قد تصمت البنادق يومًا، لكن الأيادي التي حملت الغذاء والدواء والأمل ستبقى حاضرة في ذاكرة الناس، لأنها اختارت أن تكون إلى جانب الإنسان عندما كان في أمسّ الحاجة إلى من يقف معه، لتؤكد أن العمل الإنساني الصادق يظل أحد أنبل صور التضامن في زمن المحن.