تاريخ النشر: 2026-01-10 | 16:24
تاريخ النشر: 2026-01-10 | 16:24
مع اقتراب موعد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من أيار وفق قرار المجلس الثوري للحركة، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة : هل نحن أمام محطة حقيقية لإعادة بناء الحركة وتجديد دورها، أم أمام حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمة بدل معالجتها ؟ هذا السؤال لا يستهدف أشخاصًا ولا أسماء، بل يتجاوزها إلى ما هو أعمق وأخطر: المنهج، وطريقة التفكير، وفلسفة القيادة داخل الحركة.
على امتداد السنوات الماضية، انشغلت حركة فتح- بوعي أو من دونه - بإدارة توازنات داخلية معقدة، كان محورها الأساسي الأشخاص والمحاور، لا الأفكار والبرامج، فقد انزلق السؤالُ تدريجياً من البحث في الفعل والبرنامج، إلى الغرق في خرائط الولاء: مَن مع مَن؟ ومن قياس الكفاءة والقدرة على التأثير، إلى فرز الأسماء وفق مواقعها لا وفق أدوارها، من القدرة على الإنجاز إلى تصنيف الانتماء داخل الخريطة التنظيمية؛ هذا التحول الصامت أضعف الفكرة الجامعة، وفتح الباب أمام تآكل الثقة بين القاعدة والقيادة، وأفقد الحركة قدرتها التاريخية على المبادرة والتجديد.
التجربة السابقة، وتحديداً المؤتمر السابع، تقدم درساً لا يجوز القفز عنه، فقد جرى الإعداد له بمنطق القوائم المسبقة والتوازنات المحسوبة، لا بمنطق التنافس الحر على الرؤية والبرنامج. وكانت النتيجة مؤسسات قيادية شرعية شكلاً، لكنها محدودة الفاعلية سياسياً وتنظيمياً، وعاجزة عن إنتاج إجابات جديدة لأسئلة مرحلة شديدة التعقيد، لم تكن المشكلة في الأشخاص بقدر ما كانت في الطريقة التي أوصلتهم، وفي المعايير التي غابت لصالح منطق المحاصصة غير المعلنة.
اليوم، يقف المؤتمر الثامن – إن تم استكمال التحضيرات - أمام اختبار أكثر قسوة، فالسياق الوطني تغير، والشارع الفلسطيني أكثر قلقاً وتشكيكاً، والتحديات الوجودية لم تعد مؤجلة، لم يعد مقبولاً أن يُختزل المؤتمر في إعادة توزيع المواقع، أو ترميم التوازنات، أو إرضاء هذا الطرف أو ذاك، المطلوب انتقال حقيقي من ثقافة "الاستحقاق التنظيمي" إلى ثقافة "الوظيفة السياسية": ماذا ستفعل القيادة الجديدة ؟ وما هو برنامجها الواقعي؟ وكيف ستُقاس نتائجها؟
الفكرة الجريئة التي ينبغي طرحها دون مواربة هي أن الشرعية داخل فتح يجب أن تُعاد صياغتها، الشرعية لم تعد تاريخاً نضالياً فقط، ولا موقعاً تنظيمياً؛ بل قدرة مثبتة على الفعل والتأثير وإدارة الصراع؛ حركة بحجم فتح لا يجوز أن تُدار بمنطق الثقة الشخصية، بل بمنطق المعايير: كفاءة، رؤية، قدرة على اتخاذ القرار، واستعداد للمحاسبة.
كما أن المؤتمر مدعو- إن أريد له أن يكون نقطة تحول - إلى مراجعة فلسفة القيادة ذاتها، القيادة ليست منصبًا دائماً، بل وظيفة مؤقتة تخضع للتقييم، ولا نهضة تنظيمية دون آليات واضحة للمساءلة، ولا استعادة للدور الريادي دون فتح المجال أمام دماء جديدة، ليس بحكم العمر فقط، بل بحكم امتلاك أدوات المرحلة : الفهم السياسي، الإدارة، الاقتصاد، والتواصل مع مجتمع متغير.
والأخطر من إعادة إنتاج الوجوه هو إعادة إنتاج العقل نفسه، عقل يعتقد أن الحفاظ على التوازن أهم من إنتاج الفكرة، وأن تجنب الصدام الداخلي أهم من قول الحقيقة، وأن إدارة الحركة تكتيك يومي لا مشروع استراتيجي؛ هذا العقل هو جوهر الأزمة، وليس الأسماء هي المشكلة.
قد يكون "المؤتمر الثامن" فرصة نادرة لإعادة طرح السؤال الصحيح داخل فتح: إذا تم عقد المؤتمر بنجاح لوجستي، ماذا بعد؟؟ ما الذي سيتغير في حياة الناس؟؟ في موقع الحركة؟ في علاقتها بالمجتمع وبالقضية؟ أما الاكتفاء بسؤال: من فاز؟ فهو اختزال خطير لمعنى المؤتمر ودوره.
فتح لا تحتاج إلى انقلاب داخلي، ولا إلى تصفية حسابات، بل إلى شجاعة فكرية، شجاعة الاعتراف بأن النهج السابق استنفد أغراضه، وأن الحركة مطالبة اليوم بتجديد أدواتها قبل تجديد مواقعها، فإن نجح المؤتمر الثامن في كسر الحلقة المغلقة، سيكون بداية استعادة الدور، وإن أعاد إنتاجها، فلن يكون فشلًا جديدًا فحسب، بل رسالة سلبية إلى جمهور فقد الصبر وينتظر إجابة ولن ينتظر طويلاً!.
في النهاية، المؤتمر ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة؛ والسؤال الذي سيبقى بعد انفضاضه ليس: هل تغيّر شيء فعلاً؟ وهل امتلكت فتح الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمة… إلى صناعة المستقبل؟