تاريخ النشر: 2021-03-23 | 10:32
تاريخ النشر: 2021-03-23 | 10:32
من المتوقع أن تؤكد الانتخابات الإسرائيلية التي تجرى اليوم بمعية 6.5 مليون ناخب فكرة تغلغل التوجه اليميني في الشارع الإسرائيلي، إلا أن هناك عدة عوامل مؤثرة ستعرقل تشكيل حكومة جديدة ما يعني استمرار حالة الجمود السياسي، ومنها الانقسام الحاد حول قائد المرحلة القادمة، وطبيعة الدور الذي من المقرر أن يضطلع به الأرثوذوكس المتشددون، وسرعة التوسِّع في بناء المستوطنات، ولهذا، فإنه إذا لم يتمكن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ولا خصومه من تشكيل حكومة ائتلاف، فإن عدم اليقين سيظل سيد المشهد في السياسة المضطربة.
ستؤدي الانتخابات الرابعة خلال عامين إلى واحد من ثلاثة سيناريوهات؛ فإما ائتلاف بقيادة نتنياهو، أو تحالف مضاد له، أو جولة انتخابية أخرى، حيث يمكن لنتنياهو أن يجمع تحالفًا يمينيًا محدودًا يؤيد بناء المستوطنات، وضم الضفة الغربية، وسياسات الهوية المتطرفة، وتقويض المحاكم الليبرالية، ومن خلال الصفقات الخلفية والانشقاقات المحتملة في صفوف الأحزاب المنافسة له، يمكن أن يكسب نتنياهو ولاية أخرى كرئيس للوزراء، يقود خلالها تحالفًا يتألّف على الأرجح من قوميين علمانيين، وأحزاب دينية، ومجموعة من البرلمانيين المتطرفين، لكن هذا الائتلاف سيكون هزيلًا على الأغلب، وعرضة لضغوط أحزاب الأقليات، وحتى من أعضاء مستقلين في الكنيست.
وقد يجعل الأداء القوي للمتطرفين اليمينيين هذا السيناريو أكثر احتمالًا؛ ما يعني أن حكومة نتنياهو المستقبلية ستتأثر أكثر بالأيديولوجيات المتطرفة التي تؤيد التوسع، وترسخ الهوية اليهودية أكثر في إسرائيل على حساب الأقليات العربية والدرزية، وتدعو لامتيازات ممتدة وموسّعة للجالية الأرثوذكسية المتطرفة في مجال التعليم والخدمة العسكرية، والتي لديها استعداد أيضًا لتقويض مؤسسات مثل المحكمة العليا الليبرالية في سبيل إعادة تشكيل الثقافة الإسرائيلية، ويمكن لهذا السيناريو أن يضع تل أبيب في منطقة دستورية مجهولة في حال أدين نتنياهو بالرشوة، وهو رئيس للوزراء.
السيناريو الثاني أن يفوز الائتلافً المناهض لنتنياهو في الانتخابات، إلا أن العنصر الذي جمع هذا الائتلاف سيختفى؛ ما يرجح عمرًا افتراضيًا قصيرًا له، إذ يمكن لمجموعة مؤلفة من أحزاب يسار الوسط، واليسار، واليمين العلماني المناهض لنتنياهو العجوز (71 عاما)، أطول زعماء إسرائيل بقاء في الحكم، أن تشكل ائتلافًا ذا أيديولوجية متنوعة يهدف إلى إزاحة هذا الفاسد عن السلطة، ومن غير الواضح بالضبط من يمكن أن يقود هذا الائتلاف مع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن حزب «يش عتيد»، المناهض للفساد، سيحقق نتائج تسمح له بتعيين زعيمه، يائير لابيد، رئيسًا للوزراء، ومع هذه المجموعة من الأيديولوجيات، فمن المرجح أن يركز هذا التحالف على تمرير الميزانية ومحاولة الخروج من الأزمة التي خلقتها جائحة كورونا، وفي الوقت نفسه تقويض الاستثناءات الخاصة بالطائفة الأرثوذكسية المتشددة في مجال الخدمة العسكرية والتعليم.
إلا أن التناقضات الأيديولوجية الداخلية، والصدامات الشخصية سرعان ما ستظهر بمجرد انتهاء التحدي الذي وحّد هذه الجماعات المتمثل في إزاحة نتنياهو عن السلطة، وربما ينهار التحالف في مواجهة أزمة "أمن قومي"، كاندلاع صراع في غزة، أو الضفة الغربية، أو توغل حزب الله في الحدود الشمالية لإسرائيل، أو مضايقات إيرانية في مرتفعات الجولان إذ ستتنازع الأحزاب اليمينية على كيفية الرد، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار الحكومة مرة أخرى.
أما السيناريو الثالث، فسيبرز في حال فشل الطرفين في تشكيل حكومة، فمن المرجح أن يحلّ الكنيست نفسه من أجل إجراء انتخابات أخرى كما فعل في 2019 على إثر النتائج الانتخابية غير الحاسمة آنذاك، وكما ظهر جليًا على مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية، وهذا الوضع سيؤدي إلى شلل سياسي، وتجميد الميزانية، ولكنه لن يؤثر على الخطط الاستراتيجية للصهاينة، فالتوسع الاستيطاني، الذي حظي بموافقة مسبقة، يمكن أن يستمر.
هنا، ينبغي الإشارة إلى أن بعض السياسات ستبقى دون تغيير بغض النظر عن نتيجة الانتخابات، حيث تتخطى قضايا "الأمن القومي" والسياسة الخارجية حدود الحزبية، وعلى سبيل المثال، ستستمر استراتيجية إسرائيل المناهضة لإيران في متابعة عملياتها السرية وغاراتها الجوية في سوريا، والعراق، ولبنان، وأعالي البحار، والفضاء الإلكتروني، ولكنها لن تلجأ إلى عملية عسكرية كبرى مكلفة اقتصاديًا وماديًا، وستسعى تل أبيب دوماً لعرقلة جهود واشنطن الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق نووي مع طهران.