تاريخ النشر: 2023-06-29 | 18:50
تاريخ النشر: 2023-06-29 | 18:50
تعتبر الصحافة في حياة الحزب الثوري احد ادوات البناء الفكري و التحريض المهم والمفصلي في النضال وحسم المعارك المطلبية والسياسية الديمقراطية والكفاحية ، فهي ادات تعبئة وتوجيه وتشكيل الرأي العام الداخلي للحزب والجماهير ، انها سلاح يوجه الرأي العام الداخلي ويواجه الاعلام المضاد ، فالإعلام الضيق والغير ثوري لا يخرج من دائرة الفئوية والجهل وضيق المعرفة في تثوير الجماهير ودمقرطة مؤسساتها ، فالحزب الثوري لا يستطيع ان يؤدي رسالته في الحرية بدون اعلام ثوري وجماهير غفيرة ملتفة حول رسالة الحزب الثوري وايضا لا تستطيع الجماهير ان تحقق رسالتها الخالدة والتاريخية في الحرية والعدالة إلا بحزب ثوري وطليعي يقود الجماهير لتك الحرية والعدالة المنشودة ، فالجماهير دائما تتمتع بجهوزية عالية لتحقيق تطلعاتها ، ولكن هذه الجهوزية بحاجة للفهم وللنموذج الثوري الغائب في الممارسة والحي في ذاكرة المثقف الثوري والطليعي ممثلاً بالحزب ، ان عزوف الجماهير من الانخراط في الحركة التنظيمية للأحزاب الثورية لا يعبر إلا عن حالة عدم رضى وعدم فهم للعلاقة الجدلية بين دور ومهمة الحزب الثوري ودور ومهمة الجماهير في تحقيق الانتصارات المظفرة ، ولذلك من المهم تقيم تلك العلاقة جيدا وهذا يتطلب ان تفحص العلاقة ضمن الاصول العلمية لحركة الجماهير واحتيجاتها واتجاهاتها ، أرى ان يتم العودة لقراءة الكتب والوثائق التي سجلت في هذا المضمون ، واحد اهم تلك الكتب بعد تلك التي انتجتها دوائر ومؤتمرات الأحزاب الماركسية هو كتاب قيم ومهم ، فبعد اكثر من مائة عام على طباعته .... كتاب ...
( سيكولوجية الجماهير ) للكاتب الفرنسي
( غوستاف لوبون ) وهو كتاب يشكل مرجعاً مهماً لكل المهتمين في مجال علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد الاكاديمي وبتجلياتها التنظيمية وعلاقاتها بالحركات والاحزاب ، وقد تم نشر الكتاب بنسخته وطبعته الاولى عام 1895 ، حيث يبحث الكاتب بعمق في العلاقة بين الافراد والجماهير بشكل جماعي ويبرز الفوارق بين سلوك الفرد وسلوك الافراد ملتحمة جماعيا في اطار جماهيري عفوي او منظم ، اذ يوكد على ان الجماهير تمثل حجر الزاوية الاساسي في العلاقات الجماعية وتاثيرها ودورها على الحياة العامة والافراد ، ورغم مسار التطور والتقدم على كل المستويات التي حدثت في التاريخ البشري مازال هذا الكتاب يحظى باهتمام بالغ ومهم في علم الاجتماع بكل تنوعاته السياسية والاجتماعية والاعلامية والاقتصادية ، وهنا وجب على الحركات الثورية ان تطلع عليه وتفحصه بتمعن بعد تجاربها المريرة في عدم تحقيق امال وتطلعات شعوبها حتى لو لم ينتمي الكاتب لمدارسها ، فمازالت الاحزاب لم تحقق جماهيريتها الحقيقية التي تنسجم مع رؤيتها ، خاصة ان الفكرة لهذا الكاتب تقوم على اساس فهم السلوك الفردي عنه في اطار الجماعة وايضا الاحساس والإنجازات تختلف بين ما يتطلع له الفرد والذي تتطلع له الجماهير ، فكلما اندمج الافراد في وسط الجماعة يتغير سلوكها وتفكيرها وارادة فعلها وتضحيتها وصلابة انتمائها ارتباطاً بما تمتلكه الجماهير من قوة جبارة في ممارسة التمرد والفعل والتغير وخاصة في مواجهة الظلم والاستبداد ، وما يميز الحالة الجماهيرية هو ان الشعور الجماعي بالظلم والايمان الجماعي بالتغير هو ما يميزها عن الافراد رغم وعيهم المصحوب بخصائص التردد والخوف والإستسلام امام قوة النظام وقوة الجماهير التي تعكس اتحاد الافراد والجماعات بتنوعهم الثقافي والطبقي ، فاندماج الافراد مع الجماهير يكسبهم الهوية الجماعية التي تعبر عنها الجماهير كما قال الكاتب ( بالروح الجماعية ) وهذا بالضبط ما تحتاج له الحركة الوطنية في مسار كفاحها الذي لا تنطفئ شعلته ، ان تلك الروح الجماعية تكسب الافراد الحماسة والحمية والعاطفة وتمكنهم كجماهير من تحقيق الاهداف الطموحة لهم عن عدم قدرتهم في تحقيقها كافراد منفصلة ، وهناك امثلة كثيرة تلتقي بها الجماعات حسب تنوعها واهدافها بصيغ التحالفات لتشكيل اوسع دائرة واطار وحراك جماهيري كبير متنوع في مواجهة الفساد او غلاء الاسعار او الاعتقالات السياسية او الاحتجاجات على اداء السلطة والاجهزة الامنية وهناك مجالات للتظاهرات الفنية والرياضية والاستعراضات التي تعكس كل الاحتياجات التي ترغبها الجماهير ، .... فهذا الكتاب يمثل اساس استكشافي للقوة التي تمتلكها الجماهير وهي متحدة ، كما يبين مستوى الروح الجماعية المتماسكة في الافكار والعواطف والممارسة نحو الاهداف ، فهذه العلاقة الجدلية و القواسم المشتركة والفوارق التي تميز كل فرد وكل فئة عن اتحاد عام ممثلا بالجماهير قد عبر عنها لينين في موضوع التكتيكات ، وقد قال لينين
( أن لا منظمة ثورية يمكن أن تحيا بدون معمل أيديولوجي دائم وحي وخلاق ) يمتلك القدرة العلمية في تحليل العلاقة بين سلوك الافراد والجماهير ، فالحزب الثوري ( هو المعمل ) تفرض عليه مبادئه في فهم هذه العلاقة الغائبة في سلوك الاحزاب ، فهي حركة بفعل جماهيري ضعيف وغير منظم للمستوى الذي ينبغي ان يقود به معارك الكفاح والتحرر والديمقراطية ، فالجماهير بالضرورة هي بحاجة لتلك المعمل القوي لتشكيل القيم والافكار التي تولد افكار اكثر ابداع حين يتوفر الحزب الطليعي ، فالجماهير التي تكتشف حاجاتها الحقيقية و قدراتها وإمكانياتها بالتاكيد سوف تبدع في كفاحها وتكتيكاتها الثورية ، انها هي من تغير مجرى الصراع التاريخي مهما بلغت ذروته وحدته ، لان الجماهير تتحرك ككيان واحد متماسك عاطفيا ومعنويا ولا يتصرف كأفراد منفصلة ، وهنا بالضرورة ان تمتلك الاحزاب الثورية وخاصة الماركسية الحاسة في فهم حركة الجماهير وانفعالاتها وتوظيف كل الطاقات المبدعة في توجيه هذه الحركة من اجل تحقيق الحرية والعدالة ، فالجماهير تؤثر في الرأي العام وتحد من اجراءات الحكومة التعسفية وغطرسة الاجهزة وهذا يعكس كم هي القوة الكامنة في اعماق الجماهير والمؤثرة في صناعة وبناء التاريخ ، فالمثقف البرجوازي لا يمكن له فهم هذه العلاقة الجدلية بين الفرد والجماهير ، لانه يقدم مصالحه على انحيازه الطبقي لصالح الجماهير والحركة الثورية ، وهنا يبرز دور المثقف الذي ينتمي للمؤسسة الأكثر تنظيم ممثلة بالحزب الثوري ، فإن كنت معلم للجماهير ، فعليك أن تتعلم منها جيداً ، وهذا ما آمن به لينين وظل يمارسه طيلة حياته حتى ظفرت الثورة واقام اول نظام اشتراكي في العالم حين اتحدت كل القطاعات والفئات حول اهداف الثورة ، فالذي تتعلمه من قراءة عام كامل من الكتب ، فإنك تتعلمه في جولة واحدة او يوم واحد مع معارك الجماهير ، فالحزب الثوري لا يتهرب من مسؤلياته حين يكون مدرسة في فهم الاستراتيجية والتكتيك ، ولا يترك دفة القيادة للممارسة العفوية والعشوائية للجماهير ، ولا يفكر بطريقة الحكم البرجوازي للعلاقة ودور الجماهير في صناعة المستقبل ولهذا انصح بإعادة تقيم العلاقة مع الجماهير وتحديد المعايير التي تستقطب الجماهير نحو اهدافنا الوطنية وعدم التقاعس اكثر من ذلك ، فهي تمثل القوة الذي لا تنكسر امام صلف وبطش واستبداد الحكومات الرجعية والاستعمارية .