تاريخ النشر: 2017-03-01 | 10:33
تاريخ النشر: 2017-03-01 | 10:33
لم أولد بمخيم، ولم أعش به، كان مخيم البقعة بالأردن أول مخيماً أزوره، ولا يمكن أن تُعتبر زيارة، لأننا ندخله بساعات متأخرة من الليل مع صديق من يسكن هناك.
أخذنا مباشرة لبيتهم، حيث أكلنا ما تبقى من " المجدرة" التي أعدتها والدته خلال النهار الماضي، وشربنا شاي بالسكر الكثير، فأنا أعشق السكر، وبالمخيم متوفر السكر بكثافة، كان علي أن أكل المجدرة بدون أن أعترض وبدون اللبن الرائب كما أُحبها، حتى لا أجرح مشاعر صديقي، كنتُ يومها جدا غبية، كيف أجرح مشاعره اذا رفضت أن أكل صحن المجدرة وأن أخبره أني لا أكلها الا ساعات الصباح ومع اللبن الرائب.
بساعات الفجر الباكرة جدا، تلك الساعات التي لا تزال ترتدي الظلمة الحالكة، قررت أن أعود لعمان، وفعلا خرجتُ وصديقي الذي يسكن عمان أوصلني للفندق الذي أُقيم فيه بغرفة مرتبة الشراشف ومتوفر فيها كل شروط الراحة، لم أنم بالمرة، وبقيتُ أفكر ما الذي أخذني لمخيم البقعة؟ لماذا ذهبتُ بمنتصف الليل لمكان لا أعرفه، ولم أسمع عنه قصة واحدة مريحة، مكانا لم أستطع أن أستكشفه، أو أتبين ملامحه، أنا المسكونة بالشغف لملامسة جدران الأماكن التي ازورها، لم أمرر أناملي فوق جدران المخيم، لم أقف لساعات أتأمل معالم المكان، لم أتفحص جغرافية المكان.
قررتُ في اليوم الذي بدأ لتو أن أزور مخيم الوحدات، سمعتُ عنه كثيرا، وكان أن ذهبت لهناك نزلت من الحافلة بالمحطة الاخيرة، وبدأت أسير بالشوارع، أزقة ضيقة ومتسربة بعضها على بعضٍ.
دخلتها بحذر وكأني أُفتش عن الوجع فيها، فالمخيم صورة الحزن فينا، والشقية فيّ قادمة من الجليل، لترتشف بعضا من هذا الحزن المقدس، كانت أزقة المخيم أشبه بالأسواق المتوفر بها كل أنواع البضائع، أشتريت بعض الأشياء، ربما بعضها لا أحتاجه، لكني أشتريته من باب التعاطف ومحاولة لمساعدة اصحاب المحلات البؤس، وهنا تصرفت بالغباء الذي بي، أنا مؤمنة أن التصرف العاطفي ينبع أحيانا عن سذاجة قلب عاشق للحزن، بعدما أنتهت رحلة الاستكشاف وملامسة المعاناة سرتُ بإتجاه محطة الحافلات لأعود لعمان.
وهذه المرة لم أفهم سر تعلقنا بالمخيمات، لم أستطع أن أستوعب لماذا نحب المخيمات، لماذا نعشقها حد القداسة؟!
كان مخيم عين الحلوة بلبنان من المخيمات الاكثر "جاذبية" لقلبي، كنتُ مصابة بحمى زيارته، هذا المخيم الذي قرأت أسمه لأول مرة عندما بدأت أتعرف على العبقري ناجي العلي، بدأت أفتش الصحف والأخبار عن مخيم عين الحلوة، وأفرك عيني المرهقة من متابعة أخبار المخيم ليل نهار ، وفجأة وجدت نفسي أمام حقيقة صادمة، حقيقة أني أكره المخيمات، وأحقد عليها لانها صارت بملامح فلسطين، ولأنها أخذت عيون فلسطين المائية والمحاطة بحنطة حقول فلسطين والرحيق بزهر البرية بفلسطين
أنا لا أحب المخيم لانه خذلنا يوم خذلناه، وتركنا يوم بقينا فيه ذاكرة تنادي بحق العودة.
المخيم يوجعنا حد الظلم، ويطاردنا بشوك السؤال، لماذا علينا أن نهمس لأرواحنا يوميا لا تنسي المخيم فيكِ، لا تضحكي أيتها الروح حتى لا يقع المخيم من قلبكِ فتصيرين يتيمة
المخيم الناموس الذي تربينا وفق ترانيمه، وكبرنا على أنغام أزقته فصار المعبد الذي نقيم طقوس صلاتنا فيه لوطن عشق المخيم أكثر من عشقنا له فتوهنا، أجل توهنا ما بين مخيم ووطن ولم نعد نعرف من نحن
أولاد مخيم أم أصحاب حق العودة...
المخيم عودتنا أم الوطن خيمتنا؟!