تاريخ النشر: 2016-11-15 | 11:16
تاريخ النشر: 2016-11-15 | 11:16
سقطت منازلهم يوم أن سقطت أعمدة العدالة وفجأة وجدوا أنفسهم محاصرين بين ضمير عالمي بائس وبين قسوة العراء ؛ وعلى الضفة الأخرى ينتظرهم شبح مخيف اسمه الجوع في ظل عالم لا يعرف سوى لغة الأقنعة الزائفة و الوعود المتكررة بإعادة الأعمار التي تتردد على مسامع الغزيين و عدم اكتراث الجهات المانحة لمعاناتهم وصرف أنظارهم بكل خبث ودهاء عن هؤلاء الأبرياء، الذين وجدوا أنفسهم يعيشون تحت حرب غاشمة غير عادلة.
أم محمد " من حي الشجاعة سيدة في العقد السادس من عمرها ممن خرجوا من تحت الأنقاض لم تعد في ملامحها سوى حفنة من تراب يحكي عن قهر تهتز له جبال الأرض.
تتحدث أم محمد ونظرات عينيها كتاب كل سطوره مفعمة بالقهر وهي تتذكر منزلها الذي كان يحتويها ويضم كل ذكرياتها الجميلة الذي هدمه الاحتلال في الحرب الأخيرة على قطاع غز2014 .
بصوت حزين تقول السيدة "أم محمد": فجر يوم الأحد 20 يوليو/تموز استيقظ حي الشجاعية في قطاع غزة، على مجزرة ارتباكها الاحتلال ذهب ضحيتها أكثر من 70 فلسطينيا معظمهم نساء وأطفال. دفعنا للنزوح إلى مدارس الأونروا كمراكز إيواء اعتقدنا منا أنها أكثر أمنا التي قضينا فيها ما يزيد عن 40يوم(:.
تنهد السيدة بعمق ثم يعم الحزن على القلب ،وتأتي جميع المواقف المؤلمة،فتأتي غصة ،تلحقها دمعه ،ويلحقها نفس عميق ثم تقول " حسبي الله ونعم الوكيل"ثم مسحت دمعتها قبل ان تواصل حديثها بكل ثبات : بعد تدمير بيتنا في الحرب لجأنا إلى " بيت أبى "، وهو مسكن قديم لا يصلح للسكن وخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، كما يزداد سوءا في الشتاء .
وتضيف السيدة ووجهها تغطيه الحسرة : “ إن قدوم فصل الصيف حول حياتنا إلى مأساة داخل هذه المساكن، مشيرة إلى أن الأطفال يفترشون الأرض بالخارج هرباً من الرطوبة الشديدة التي لا يستطيع الإنسان تحملها بايت حال من الأحوال.
وتواصل أم محمد حديثها بابتسامة تتحدي بها الحياة التي أجبرتها علي العيش في هذه الظروف:"
أنا وعائلتي المكونة من 14فردا ليس لنا معين و نعانى من أزمة كبيرة في المياه في ظل الحرِّ الشديد، مؤكدة أنّ الأمراض تزداد والوضع الصحي بدأ يتدهور ، وتُبدي
" أم محمد " عدم رضاها عن وجودها في هذا المسكن ، معبرة عن "خوفها الشديد على أطفالها من قسوة الحياة وظروف العيش .
وتطالب المسئولون بالنظر إلي أحوالهم بعين الرحمة وإيجاد حلا لمعاناتهم وألا يتركوهم للموت البطيء".
بمشاعر الخوف ودموع الحزن و تعالي على الجراح ومن خضم موطن الشدة والبؤس والقهر والحرمان تناشد السيدة الستينية التي انقلبت حياتها رأساً على عقب بعد تدمير بيتها المجتمع الدولي قائلة " أيها العالم أيها الإنسان في هذا العالم ما الذي أصاب ضميرك ونخوتك وشهامتك وأنت ترى بيتي يهدم وأنا أقف يدي مكبلة بسلاسل العوز والفقر وأولادي أخفت دموعهم ملامحهم والحزن يضرب بقوة نبضات قلوبهم الضعيفة ؛ وأنا سيدة في داخلي الم كفيل أن يهز جبال الأرض ؛ ولكنني متماسكة من أجل أطفالي.
ومن المعلوم أن العدوان الأخير على غزة صيف 2014 أدى إلى تدمير نحو 12620 منزل بشكل كامل، بالإضافة إلى تهجير 17670 عائلة أو حوالي 100 ألف شخص حيث شهدت المناطق الحدودية الشرقية والشمالية لقطاع غزة التي دخلتها القوات البرية الإسرائيلية الدمار الأكبر، وتركز في شرق مدينة رفح وبلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس، وحي الشجاعية شرق مدينة غزة، وبلدة بيت حانون شمال القطاع.
الباحث في الشئون الاقتصادية د/ رائد حلس أكد أن الجهات الدولية المانحة تعهدت بتقديم 5.4 مليار دولار في مؤتمر القاهرة في 2 أكتوبر 2014، تم تخصيص نصف المبلغ لإعادة الأعمار أي حوالي 2.7 مليار دولار والنصف الأخر لدعم الموازنة العامة للحكومة الفلسطينية.
وأشار حلس انه ما تم الالتزام به حتى شهر مايو 2015، هو 125 مليون دولار لإعادة بناء المنازل التي تم تدميرها بشكل كلي أي ما يقرب من 20% من المنازل التي تعرضت للتدمير بشكل كامل، وهذا يعني أن 80% من المنازل المدمرة بشكل كامل لا تزال تنتظر وصول المبالغ المالية من قبل الجهات المانحة لاستكمال عملية البناء .
وأضاف حلس نتيجة للقيود الإسرائيلية التي فرضتها على سير عملية الأعمار وفرض آلية رقابة صارمة على دخول المواد اللازمة للبناء والنقص الحاد في التمويل بات واقع الأسر النازحة يزداد سوءاً وتفاقم من معاناتهم .
ورأي الباحث أن إعادة الأعمار يتطلب إلغاء الآلية المتبعة في عملية الأعمار " آلية سيرى " حيث أنها أثبتت فشلها ولا تتلاءم مع حجم الدمار الكبير والعميق الذي خلفه العدوان، بالإضافة إلى أنها آلية تجريبية لمدة 6 شهور وبالتالي أصبح وجودها غير قانوني.
وشدد حلس على ضرورة إنهاء كامل القيود المفروضة على استيراد مواد البناء على المعابر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الفلسطيني .
كما دعا حلس حكومة التوافق الفلسطينية إلى عدم تجاهل أو نسيان ملف إعادة الأعمار ومواصلة الضغط على المجتمع الدوالي للوفاء بالتزاماته وتعهداته وتوفير الأموال اللازمة لإعادة الأعمار وإنهاء معاناة الأسر النازحة.
وفي السياق ذاته أكد المحلل السياسي منصور أبو كريم أن قضية إعادة الأعمار تحولت إلى سيف مسلط على رقاب الشعب الفلسطيني .
وأبدى قلقه الشديد تجاه تأخر أو بطء عملية إعادة الأعمار في القطاع، مشيراً إلى أن ما تم تنفيذه ، لم تتجاوز 10% من حجم المباني و المنشات التي دمرت، خاصة أن الآلية الدولية التي تم الاتفاق عليها أصبحت عقبة في سبيل تحقيق الأعمار الكامل ، بعد ما خولت الآلية الدولية الأمم المتحدة الأشراف على عدم استغلال المواد في غير ما هو مخصص لها، وبالتالي هذه الآلية أعاقت تدفق مواد البناء بشكل طبيعي، وأعطت الاحتلال الإسرائيلي مبرر لتوقف توريد الأسمنت والمواد الأخرى في حالة رأي الاحتلال أن هناك خلل.
مشاهد كثيرة ظلت عالقة في ذهن السيدة "أم محمد " أوردتها في سياق حديثها الطويل، الذي أنهيناه بأمنية أن نراها و أمثالهاالذين هدمت بيوتهم بفعل العدوان الإسرائيلي و نكبوا النكبة الحقيقة عما قريب يحتفلون بتشييد بيوتهم