بين عادات وتقاليد وأسلوب حياة وبين أساسيات التعامل تقف المرأة حائرة خاصة مع سيل المعلومات وأنماط الحياة التي تتلقاها عبر غول التكنلوجيا.
قبل وسائل التكنلوجيا العديدة كانت الفتاة منذ نشأتها تعتمد على معلوماتها من أسرتها والأدق من معلمتها الأولى والدتها.
كلنا نساء وفتيات كنا نرى أمهاتنا في تعاملاتهن مع الرجل (زوجها).
كانت أمهاتنا بصورة نينا أمينة المستكينة مع سي سيد زوجها بالفيلم المصري بين القصرين الذي يجسد ثلاثية (نجيب محفوظ) الروائية التي عكست صرامة الرجل في التعامل رغم لهوه خارج بيت الزوجية .
كانت أمينة تنتظره بحلة المياه الممتزجة بالملح حتى تغسل قدميه وتجهز له الطعام وتظل واقفة إلى أن ينتهي من تناوله حتى تبدأ بالأكل هي وبناتها.
وتنطوي أمينة على نفسها لعدم اهتمامه بها وتقبل بهذه الحياة ولا تناقش سلبيات سيدها(زوجها).
الفارق بين أمهاتنا قديما وبين استكانة أمينة أن أزواجهن يختلفون قليلا عن سي سيد ، شيء من الاحترام وعدم توفر إمكانياتهم للهو سيد أمينة.
تلغي المرأة عقلها تسكين في بيتها لا تعمل إلا بمطبخها وتربية أولادها على نمط ذكورية سي سيد، أن الذكر هو المسيطر له النصيب الأكبر في كل شيء حتى بالأكل الذي تضعه أمامه وأمام اخواته الإناث.
يضربها زوجها ويعنفها ويهينها على أتفه الأسباب بل ويناديها بالعامية بكلمة(يا مرة هاتي الشاي).
تئن بصمت، من العيب اللجوء والشكوى لوالدها السيد الاخر ويضعون اللوم عليها أنها مقصرة ولو لم تكن قد قصرت لما أهانها زوجها.
كان ستر المرأة وثباتها في بيتها وضمانها بالكم التي تجلبه من إنجاب الأولاد، وجملة جداتنا المشهورة بلغتهن العامية( حتى تربطي زوجك بجانبك خلفي له الصبيان).
ظلت تعيش المرأة مسلوبة الحقوق تجهل ما لها وما عليها.
غزت التكنلوجيا البيوت وتدفقت المعلومات وأصبحت المرأة ترى وتسمع وأزالت عن عينيها الغشاوة التي غمرتها من غبار سوط سي سيد.
تعلمت واندمجت بمجتمعها وعرفت حقوقها وأصبحت تعلم أن من حقها الاحترام ومعاملتها ككيان، وليس نظريا فقط أنها نصف المجتمع.
بل أصبح المرتكن عليها في كثير من البيوت لتلبية الطلبات في معترك الحياة الصعبة والبطالة والحصار والذي أجلس الرجل في بيته.
وأصبحت المرأة سيدة.
حالة من التوهان أصبحت تعيشها المرأة، هل تبقي على أنماط حياة والدتها من الاستكانة أم تتمرد بعلمها وسلطة مفاهيمها ومعرفتها.
منهن من عرفت إمساك العصا من المنتصف، ومزجت حياتها بنكهة أمينة والحداثة.
منهن من عاشت واستمرت حياتها مع زوجها باستقرار لأنها تريد ذلك ولا تستطيع العيش بدون زوج ، ومنهن من تسلطت وفهمت الحداثة أنها تمرد واسترجال على الزوج فكان مصيرها الطلاق، لأنها لم تدرك كيف تتلقى مفاهيم الحياة .
للأسف مؤسساتنا النسوية مغيبة عن الحالة النفسية والصراع الذي يدور داخل عقل المرأة.
تروج المؤسسات النسوية والمجتمعية للمرأة بعبارات كوني أنتِ واصنعي ذاتك دون توعيتها بالطريقة التي تتلقى بها تلك المعلومات التي يقومون بضخها.
تبدأ المرأة بسيل طلباتها وتردد أنا حرة أنا قوية فيما يقابلها الرجل بالعنف ومن ثم لانتهاء العلاقة.
المرأة مشتتة هل استقامة العلاقة تكون بتجهيز حلة المياه بالملح وغسل قدم زوجها وصنع القهوة حتى ينتهي من حمامه الساخن ويشربها.
أم بأن تخرج إلى عملها وتعود متعبة وتجهز ما تجهزه أمينة؟
تتمرد تثور هي تتعب كما يتعب ، تقلق كما يقلق، تضج كما يضج، تشعر كما يشعر، لماذا ينام وهي توفر له الهدوء وتحرس أحلامه؟؟
هل تجرؤ مؤسساتنا المجتمعية توعية الرجل حتى يدرك هذه المفاهيم؟ أم أن الرجل كائن مثقف بطبيعته لا يحتاج إلى التوعية؟ والمرأة فقط هي المسؤولة عن استمرارية الحياة كما علمتنا أمينة المستكينة؟
هل نقول هذه مفاهيم معروفة لا تحتاج إلى دروس توعية؟
للأسف كل المعروف والطبيعي ليس معروفا وطبيعيا في مجتمعنا.
قبل عقد القران يجب اخضاع الرجل والمرأة لدروس الحياة حتى تتغير دروس أمينة وسيد الذي وضع نص يجب أن تكون المرأة خاضعة.
لا أقول على المرأة التمرد ولكني أقول يجب إنصاف المرأة بحقوقها في حياتها.
كلمة الممنوع مرسومة أمام عين الأنثى منذ ولادتها إلى موتها.
ندعي السير على تعاليم ديننا الإسلامي لكننا لا نتبعها.
لماذا مطلوب منا تجميل كل شيء؟، هل يخلو مجتمعنا من تعنيف المرأة؟ من حرمانها من ميراثها؟ من حرمانها من أطفالها عند الانفصال بقوانين متخلفة قاسية؟ من إجبارها على الزواج؟ من حرمانها من التعليم؟ من حرمانها من الخروج من المنزل؟ من تكميم فمها لو تعرضت للتحرش ؟ من قتلها إذا تم اغتصابها؟ من حرمانها من السفر للتعليم؟
إن كان هناك بيوت تخلو من هذا كله , في المقابل لا زالت هناك بيوت تمتلئ بمثل هذه الحالات، لا يتم تناولها وذكرها خوفا على جمال المدينة.
تموت المرأة ألف مرة وتدفن في عتمة حياتها ولا أحد يسمع أنينها.
للأسف حتى مع سيل المعلومات التي قامت بتحديث ومحو حياة أمينة المظلومة إلا أن المرأة تائهة لأن الكثير من الرجال لا يعترفون بهذه الحداثة.
كاذبون نعم كاذبون لو قلنا أن عقلية كل الرجال تطورت.
كثيرون من الرجال في مجتمعنا يرون أن من حق المرأة نيل حريتها في كل شيء، لكن لإمراه غير زوجاتهم وأخواتهم.
يقبلون صورة المرأة التي تدخن لكن يكسرون يد زوجاتهم لو فعلن ذلك.
يقبلون بصورة المرأة الغير محجبة ويعتبرونها حرية شخصية لكن لا يقبلون نفس الصورة في بيوتهم.
يدعون الحفاظ على الشريعة لكنهم يتنقلون بمشاهدة الصور عبر وسائل شتى.
بتنا منطويين في تابوت معلوماتي مشتتين ماذا نتبع وماذا نتجاهل.
ويخرج من يقول الحق بائن والباطل واضح.
لكننا في الحقيقة تائهين بين الحق والباطل لأن الحق أصبح باطلا والباطل أصبح حق.
ولا يوجد ناصح أمين ينصح التائهين لطريق الحق، لأن ذلك الناصح أمسك بالعصا والسكين وقام بقطع رأس المخطئ للتخلص من الخطأ دون أن يرينا طريق الحق ، كالذي يريد إنهاء الفقر بقتل الفقراء.