شهدت الحرب الاخيرة على قطاع غزة التفافا نحو الوحدة الوطنية، وشهدت رص الصفوف الفلسطينية لمواجهة الاحتلال الاسرئيلي، وتمثلت هذه الوحدة بتجمع المقاتلين من فصائل العمل العسكري في خندق المقاومة في غزة، وتبعها الهبة الشعبية التي قام بها اهل الضفة الغربية، وساندهم بها الفلسطينيون داخل اراضي فلسطين التاريخية، ليؤكد الشعب أنه موحد في الميدان وموحد في مقاومته لاي عدوان على اي جزء من ارضه.
وجاء موقف القيادة الفلسطينية المتمثلة بقيادة السلطة الوطنية وقيادة الفصائل الوطنية والاسلامية متماشيا مع هذه الوحدة، فكلمات الرئيس محمود عباس رئيس السطلة الوطنية ورئيس حركة فتح، والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والسيد رمضان شلح الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي، وقادة الفصائل الاخرى، كانت تحوي دعوة حقيقية الى تجاوز جميع الخلافات والعمل بيد واحدة لمقاومة العدوان الاسرائيلي.
كل هذه الاحداث، وما سبقها من محطات في تاريخ القضية الفلسطينية، تؤكد أن مقاومة الاحتلال الميدانية هي من ابرز عوامل الوحدة الوطنية، وان غياب المقاومة، واللجوء فقط الى العملية السياسية، والمتمثلة بابرام الاتفاقيات والمعاهدات والمفاوضات، هي سبب رئيسي للخلاف والانقسام والفرقة.
ها هي حرب غزة تضع اوزارها، بعد ان حققت الكثير من الانجازات، وكلفت الشعب الفلسطيني تكلفة كبيرة. واصبحت القضية الفلسطينية على مفترق طرق، اما ان يتم استغلال هذه الانجازات لصالح الوطن والقضية، او ستكون هذه التكاليف التي تحملها الشعب الفلسطيني قد تم اهدارها.
يظهر امام المتابع العديد من السيناريوهات والبدائل على الساحة الفلسطينية، اهمها:
1. ابقاء الوضع على ما هو عليه، والاكتفاء بما حققته المقاومة الفلسطينية: وهو بديل غير مفيد للفلسطينين في ظل العملية الاستيطانية المستمرة وعمليات التهويد للقدس والنقب، وفي ظل التطرف المتنامي الذي تشهده حكومة نتنياهو، خاصة ان عنصر الزمن يسير في خدمة دولة الاحتلال، إذ إنها تمتلك كل الأوراق التي تمكنها من استثمار الزمن في تعميق بنية تفاوت القوة وتعزيز الأمر الواقع الذي حول حل الدولتين إلى خيار شبه مستحيل.
2. العودة الى المفاوضات: ان خيار المفاوضات لم يكن يحظ بمقبولية كبيرة من الشارع الفلسطيني، ولم يشهد اجماع من فصائل العمل الوطني عليه كخيار استراتيجي لدحر الاحتلال عن الاراضي الفلسطينية. وبعد فشل العملية التفاوضية من تحقيق اهدافها المرجوة طيلة السنوات السابقة، اصبح خيار العودة للمفاوضات خيارا لا يحقق رغبات وتطلعات الشعب الفلسطيني، وسيكون عاملا اساسيا في انقسام الصفوف الوطنية، وسيسمح للجانب الإسرائيلي باستمرار تنفيذ سياساته الإستيطانية والأمنية، والتي تُبعثر الحل النهائي إلى مجرد بقع جغرافية وكانتونات وتجمعات سكانية معزولة غير مترابطة ولا تتمتع بأي شكل من أشكال التواصل كما هي السيادة السياسية.
3. المقاومة المسلحة: استخدمت المقاومة الفلسطينية مرات عدة بديل المقاومة المسلحة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، ولقيت الكثير من التأييد من الشارع الفلسطيني ومن الكثير من المناصرين للقضية الفلسطينية، الا انها لم تحقق كل ما يصبو اليه الشعب، ولم تعد الخيار الاستراتيجي في ظل التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وفي ظل سيطرة اسرائيلية على المعابر والموانئ والجسور، وفي ظل تخلي دول الوطن العربي عن المشروع القومي العربي واستبداله بمشاريع قُطرية خاصة.
4. المقاومة الشعبية الفلسطينية: يعتبر نهج المقاومة الشعبية من البدائل التي برزت على الساحة الفلسطينية في الفترة السابقة، واثبتت مدى فاعليتها وقدرتها على تحقيق المكاسب، وهي من اكثر البدائل التي يمكن تطبيقها، خاصة انها محل اجماع وطني فلسطيني، ولها مقبولية لدى الجماهير كونها تشكل حراك جماهيري يلتف الشعب حولها.
تخشى اسرائيل من المقاومة الشعبية الفلسطينية، وترفض تطبيقها على الأرض كونها تشكل التفاف جماهيري يقلقها. وتساهم هذه المقاومة برص الصف وتجسيد الوحدة الوطنية، كما انها تزيد من كلفة الاحتلال الاسرائيلي، وتساعد على كشف ونشر وفضح الممارسات الاجرامية للاحتلال.
ان المقاومة الشعبية تفتح الكثير من ابواب النضال وتستثمر الكثير من الامكانيات والقدرات، وتحقق الكثير من الانجازات باقل الخسائر، وتتيح لجميع فئات المجتمع المشاركة بالعملية النضالية، فالمقاومة الشعبية يشترك فيها الرجال والنساء، الطفل والشيخ، العالم والعامل، الفنان والموهوب، يشترك فيها كل انسان مؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، وتحظى بمساندة من الكثير من المؤازرين والمناصرين والمتضامنين.
ويجب أن يرافق هذه المقاومة تبني خطوة وضع الملف الفلسطيني في المحافل الدولية، من خلال الذهاب للامم المتحدة ومؤسساتها ومنظماتها والانضمام إليها، واستكمال الطريق الذي بدأته القيادة الفلسطينية بطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ومتابعة هذا النهج برفع القضية الفلسطينية للمحاكم الدولية كمحكمة الجنايات الدولية، العمل على تفعيل القرارات الدولية الصادرة من الامم المتحدة.
ان الحرب على غزة انتهت، اما الاحتلال الاسرائيلي فلم يزل يمارس عدوانه على الاراضي الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني، وسيساعد بكل امكانياته على فتح باب الانقسام الفلسطيني مرة اخرى. فيجب على الشعب والقيادة والفصائل تفويت الفرصة على الاحتلال، والعمل على المزيد من رص الصفوف، واستكمال العملية النضالية بتفعيل كل طرق المقاومة الشعبية الفلسطينية حتى دحر الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية.