تاريخ النشر: 2021-12-28 | 16:39
تاريخ النشر: 2021-12-28 | 16:39
اي واقع وصلنا اليه؟ في الضفة حيث عملية شل المقاومة وملاحقة المنتفضين والتنسيق الامني وفي غزة جيش المقاومة المجمّد حجة العدو لفرض حياة بائسة للشعب رغم الهدنة غير الرسمية التي تفجرها اسرائيل وقت شاءت خدمة لاهداف تكتيكية واستراتيجية، وفي العمق الفلسطيني مجتمع يتعرض لابشع عمليات الفتنة الداخلية والافسادالمنظم، والشتات الفلسطيني -نصف الشعب- بلا راع ولا قيادة فماذا ستكون المحصلة، وهل هذا هو قدرنا ام ان هناك ما يمكن فعله ؟..
صحيح ان الفلسطينيين لم يلتقطوا انفاسهم ولم تتوفر لهم فرصة حقيقية لمراجعة مشوارهم النضالي الطويل منذ1917 وظلت نماذج كفاحهم تتكرر واخطاؤهم تتشابه، وادواتهم واساليبهم مكشوفة، وتحالفاتهم هشة، وعداوات كان يمكن استبعادها الامر الذي عطل امكانية الاستفادة من حضور شعبهم وعطائه واستعداده المستمر للتضحة والفداء. وهكذا نقف بعد قرن من الزمان امام قضيتنا بكل المرارات والخيبات ولم نحدث الاختراق المطلوب في الواقع فيما واصل العدو تنفيذ مشروعه الاستيطاني وامتلاك عناصر القوة وصنع وقائع على الارض من خلال عملية تطبيع واسعة شاملة مع النظام العربي.. من هنا وجب التوجه بتركيز نحو اماطة اللثام عن الكلام الضروري.. في هذا المقال محاولة استشراف للمستقبل الفلسطيني في ظل متغيرات تحدث ولابد ان تحدث..
فلسطين قضية خاصة:
بعيدا عن التسطيح والكلام العام يجب الانتهاء من حقيقة ان فلسطين قضية خاصة لا يشبهها اي قضية في العالم حاضرا وماضيا.. فهي ليست قضية تحرر لوطن وقع تحت الاحتلال فقط، وليست قضية تمييز عنصري فقط، وهنا لابد من الاستنجاد بنظريات وومرجعيات عديدة لفهم الخصوصية فعبقرية المكان تشير الى ان المكان خاص بجغرافيته وخاص في ذاته فهو في المكان قلب العرب ومرتبط ارتباط عضوي بهم جغرافيا وبشريا وعقائديا واستراتيجيا وامنيا فلا امن للعرب- ليس فقط العرب المجاورين- ولا استقلال ولا استقرار الا بفلسطين،وهكذا نرى ان مصير العرب والاسلام مرتبط بمصير فلسطين، وفي ذاتها فهي بلد استثنائي ليس لاي بلد على وجه الارض خصوصيته في بعدها العالمي والانساني فهي تمتد الى وجدان مليارات البشر من مسلمين ومسيحيين، كما انها رابط جغرافي استراتيجي بين افريقيا واسيا.. ولهذا كانت دوما بؤرة السلام او الصراع الكوني وعلى ضفتيها يتم الاصطفاف التلقائي وغير الواعي احيانا مدفوعا بنوازع عديدة منها الفطري ومنها الشيطاني العدواني..
والتخصيص الثاني لفلسطين ياتي من التعقيد في القضية الفلسطينية وارتباطها بجملة القضايا العربية والانسانية مما يجعل صعوبة المحافظة على تصعيد التصدي للقوى الشريرة عملية صعبة ومرهقة تستدعي الصبر والمصابرة والمرابطة ولهذا خصّها القرآن من كل الارض بالربط مع المسجد الحرام قبلة المسلمين وخصها بالصعود في المعراج ولتكون مساحة الايات الكبرى التي راها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليكون اهلها بهذه المعطيات في حالة رباط مستمر موزودين بعزيمة لا تهن ولا تتراجع وهم في مثل هذه الحال رمز للكرامة الانسانية والحرية والعدالة.. وقنديل يكشف طبيعة قضايا الامة وترابطها.. كما ان السير نحوها هو سير نحو استعادة العرب دورهم والاسلام رسالته..ولانها كذلك فانه من الضروري فهم ان التعامل معها لايشبه التعامل مع القضايا التحررية الاخرى في العالم.
والتخصيص الثالث للقضية الفلسطينية انها وضعت على طاولة المستعمرين بطريقة مختلفة عن كل قضايا التحرر في العالم.. فالمستعمرين هنا ذهبوا مباشرة الى تنفيذ مقولة شعب بلا أرض لأرض بلا شعب.. وهذا يعني اننا لسنا فقط امام عدو استيطاني ولسنا فقط امام عنصرية وميز عنصري نحن ازاء قرار قوى عالمية هي المسيطرة في العالم المعسكر الاشتراكي والمعسكر الراسمالي سواء بان لا فلسطين ولا شعب فلسطين انما اسرائيل والشعب الاسرائيلي ودفعت القوى الدولية بكل ما يلزم لتكريس هذه المقولة على الارض وكانت هذه الخطوة الاستعمارية هي الاخطر في تاريخ صراعنا مع الاستعمار الذي جدد طبعته الصليبية العدوانية ضد العرب والاسلام وهذه تتويج للخصوصية الفلسطينية حيث واجهت فلسطين قرارا دوليا حاشدا بكل وسائله المادية والمعنوية فكانت الحرب ضد القوى العظمى جميعا وحلفائها.. وهنا تكتمل العقدة التاريخية.
الخطأ الاول الذي اصاب العمل الفلسطيني انه لم يدرك بعمق خصوصية فلسطين وخصوصية معركتها وطبيعة العدو الخاص واهدافه الخاصة في المنطقة وتطورات خطابه.. لذلك لم يتمكن من ان يحول الخصوصية لافكار ومفاهيم ويبني عليها رؤية واستراتيجية ووبرامج عمل بالضرورة ستكون مختلفة عن كل واقعات التجارب البشرية الاخرى.. فكان الكفاح الفلسطيني كما هو الكقاح الوطني في كل بلد تعرض لاحتلال ونكبة انطلق من منطلقاته ومارس تقليدا لممارساته فكان الفشل تلو الفشل والخسارة تلو الخسارة وصولا الى التنازل عن 80 بالمائة من ارض فلسطين.
وهنا من الضروري فتح المواضيع المغلقة للنقاش حيث تبرز امامنا ملفات معتمة لم نلمسها الا عن بعد وبدون اي محاولة للاستمرارية او التاثير فيها الامر الذي جعلنا دوما نسير في غير الاتجاه مستدرجين الى معارك جانبيه دفعنا ثمنا باهضا فيها.
الملف الاول: ملف الجهل بعدونا وطبيعته: ويتضح هنا اننا كنا اسارى لردات الفعل والانفعال وروح الثأر والمشاعر الوطنية او الدينية او القومية مما كان يسهل عملية العدة في توجيهنا والحاق الخسائر الفادحة في جبهتنا.. من هو العدو؟ حين طرح هذا السؤال على النخب المقاومة عبر تاريخ القضية الفلسطينية فانك لاتسمع كلاما عميقا راسخا واعيا.. ما هي طبيعة العدو الفكرية والفلسفية والمادية؟ بعيدا عن التوصيفات القشرية ماهي استراتيجية العدو واين نحن نقع منها وما علاقة قضيتنا لديه ضمن خطته ورؤيته وماذا تمثل له قضيتنا؟ وما هي وسائله الفكرية والسياسية والمادية لانجازه هدفه بالسيطرة على فلسطين؟. وهنا تتكشف لنا دوائر التشغيل في منطقتنا وفي العالم تلك التي يحركها لتكريس الامر المراد وهنا تضيء لنا كلمات الحديث الشريف حول قناديل القدس وضرورة ان يزودها المسلمون بالزيت ليستمر اتقادها لتضيء للمرابطين ليلهم..
الملف الثاني: ملف فوضى الافكاروالمفاهيم: ان الغياب عن فهم العدو وطبيعته وغياب فهم حقيقة فلسطين وخصوصيتها انشأ فلكا من الفوضى والعبثية في عالم الافكار والمفاهيم، ومن يجمع المفاهيم والافكار التي عالجت القضية الفلسطينية ينتباه الاسى والحزن على ما وصلت اليه عقولنا في مراحل متلاحقة فلقد كان فهمنا للعمل السياسي والوطني والعسكري والثقافي دون مستوى القضية الفلسطينية ولا يجدي نفعا بل يجر علينا خسارات متوالية.. افكارنا عن القضية الفلسطينية سطحية فهي اما ان تكون قضية تحرر وطني كما يطرح او قضية عقائدية دينية كما يطرح الاسلاميون او قضية قومية كما يطرح القوميون او قضية صراع طبقي كما حاول ان يقول اليساريون الفلسطينيون.. وفي كل هذه الاطروحات نكتشف كم ابتعدنا عن الحقيقة و انشانا سجونا لعقولنا بافكار غير منطقية وغير صحيحة.. ونتيجة هذا الحرث في البحر ونتائجه من الاحباط والفشل توجهت افهامنا الى اهداف سرابية مثل التسوية والسلام والتعايش.. وكنا كالمعلق بحب المشنقة كلما اندفعنا للاسفل نزيد الخناق على رقابنا.
الملف الثالث: حالة المقاومة: وعلى ارضية بعثرة افكارنا وفوضى مفاهيمنا في عدم ادراك خصوصية جبهة الاعداء وطبيعة العدو واهدافه وبناء على جهلنا بطبيعة فلسطين وموقعها المحلي والاقليمي والدولي في الرؤية الاستعمارية والاستراتيجية الاستعمارية في سياق التطور المستمر للمصالح الاستعمارية.. بناء على ذلك اندفعت ردات فعلنا غير مراعية اي شرط من شروط الانتصار مكشوفين لعدونا نشتغل على ارضية سحبنا اليها فان حاربنا هزمنا وان فاوضنا تنازلنا.. لم ننجح في حرب ولم نفز في مفاوضات.
نعم كان شعبنا حاضرا بكل مايملك في معركة الوجود ولم يتردد في أي مرحلة وأحسن الظن في حركاته المقاومة وحوّل هزائمها الى انتصارات وكانت شعوب العرب بوجدانها وضميرها وبعض اماكاناتها مندفعة معنا وفي هذا المجال نعلن بوضوح ان التربة كانت جاهزة لكل عمل مقاوم ولكنها استغلت في غير المجدي والمفيد بفعل الفوضى والجهل والسطحية.
متعارضات قوية في ساحة الفعل الفلسطيني فكريا وسياسيا وكفاحا.. وكلها في الدائرة المكشوفة للعدو الذي يقهرها وفي النهاية يوجهها لتفريغ شحنتها النضالية في فعل خارج دائرة التأثير.. وفي هذا الافق من التيه والفوضى برزات الكوارث على رأسها الاصرار على الاعتراف بالشرعية من المجتمع الدولي من خلال العلاقات والمفاوضات والاتصالات ولو استدعى الامر تنازل عن وسائل وادوات ومعظم الحق.. ان هذا النزوع لا يتوقف عند عنوان من عناوين العمل الفلسطيني بل يعم الجميع وان بنسب متباينة يتحكم في التباين عمر العنوان النضالي وظروفه... وهذا ولد الجنوح لابرام اتفاقيات ومعاهدات هزيمة حرصا على البقاء في المشهد السياسي وهذه خدعة كبيرة اصيب بها العمل الفلسطيني حيث اصبح البقاء في المشهد السياسي هدف بحد ذاته.. هنا حصلت كوراث نتيجتها ضحالة المستوى الثقافي لدى السياسي الفلسطيني ويكفي ان نضرب ثلاثة امثلة، الاول: عند المفاوضات لماذا تنازل المفاوض الفلسطيني عن القرارات الاممية بخصوص فلسطين حيث قدم العدو الدولي للفلسطينيين 50 بالمائة من ارض فلسطين حسب قرار التقسيم الظالم العدواني.. المثال الثاني: لماذا لم تنطلق المفاوضات من ان ارض الساحل الفلسطيني كله فلسطيني حتى حسب الرواية الصهيونية فلم يسبق حسب روايتهم ان كان لهم شيء في عكا وحيفا ويافا والمجدل وبئر السبع والناصرة .. لماذا تم التسليم من قبل المفاوض الفلسطيني وكل الفصائل الفلسطينية اليوم بان هذه المدن هي لاسرائيل؟ المثال الثالث: التحالفات التي تعبر عن عدم وضوح قيمة فلسطين في عقل القيادة السياسية فمن غير المفهوم كيف تذهب بعض قيادات العمل الفلسطيني الى الانخراط في مشاريع اقليمية انخراطا مهينا يحولها مع الزمن الى اذرع للقوميين والتنظيمات الدولية واليسار واليمين.. وان نجت حركة فتح من هذا المنزلق فلقد سقط جميع الاخرين على عتباته.
منذ البداية كان نزوع قيادة النضال الفلسطينية الى تشكيل كيان سياسي..وهذا هدف استراتيجي بلا شك ولكنه دونما قوة نارية كافية يصبح عالة على الفلسطينيين، وانصرف الفعل الفلسطيني بكل ثقله لتكريس ذلك وحتى على حساب بعض الثوابت.. وغاب عن القيادة الفلسطينية ان هذا نتيجة وليس اصل فعندما يكون الفعل الفلسطيني قويا وفاعلا وعميقا ومؤثرا يسعى العالم للاعتراف بالكيانية الفلسطينية وينزل للتفاهم معها.. وهنا نعود من جديد للتأكيد على ان الجهل بالعدو واساليبه هو المتحكم في السلوك والفعل فلو توفر الحد الادنى من المعرفة بطبيعة العدو واستراتيجيته وامكاناته لما كان الجهد الفلسطيني يندفع الى هذه الفوضى وعدم ترتيب الاشياء والافكار.. فان عملا كفاحيا لايتم اختراقه ويعمل في ساحات المفاجاة والعمق مجبنا الفلسطينيين كشعب مآس جديدة وخسائر مجانية معتمدا السرية المفرطة والفعل الصاعق المؤثر المفاجيء والمرهق للعدو هو الاسلوب والوسيلة والرؤية الصحيحة لفرض الكيانية السياسية الفلسطينية..
لقد كان الكفاح الفلسطيني ولايزال على سطح الارض وتحت العين الصهيونية بل ومعرضا للاختراق ليس باشخاص فقط بل وبافكار وحتى انفاق الفلسطينيين مكشوفة وهي تحت الارض.. الامر الذي يعني عدم معرفة امكانات العدو وطبيعته وارتبطاته العالمية مع كل القوي العظمى في العالم.. وهاهي جبهة العدو تتوسع لتشمل بلدانا عربية..
ان ادراك قيمة فلسطين وحقيقة وجودها الروحي والمادي في المنطقة والعالم كما هي وادراك طبيعة العدو ورؤيته وادواته وحلفائه يوجب اسلوبا جديدا في التفكير والعمل يبدأ بترتيب اهدافنا والعمل بعيدا عن المسرح المكشوف للعدو وبعيدا عن ميادين يجيدها العدو تماما وبعيدا عن التفكير باي محاولة للتواصل مع العدو والتفاوض والتسوية الا بعد ان يتوفر شرطان اساسيان الاول انتزاع الشعب الفلسطيني المبادرة بان يكون في حالة انتصار خسائره اقل من خسائر العدو والثاني ان يصل العدو الى قناعات حقيقية بانه لابد من السلام والعدالة والحق وان يعترف العدو بان لفلسطين شعب تاريخي، وانه انهزم في معركة الابادة وان يقدم على خطوات حقيقية لتفكيك الكيان العنصري.
لايمكن هنا وفي هذا الحيز طرح كل القضايا والبحث فيما يخص فووضى الافكار والمفاهيم التي انتابت العمل الفلسطيني ولكن يكفي الاشارة الى ان ما نعيشه في فلسطين والشتات كملخص لما تعيشه الأمة وصل بنا الى مرحلة من النكبة لامثيل لها وغير مسبوقة وهذا يوجب علينا التفكير من أجل شعبنا وقضيته، وإن طرح تجاربنا الفلسطينية على طاولة التحليل والنقد والتمحيص غير مقيدين بأي مقدس من المواقف المسبقة ففلسطين فوق كل اعتبار..وهذا يعني من اللحظة الاولى اهمية ألخروج من التقليدي المتكرر الى التفكير بالحقيقي والجوهري المتجدد المتناسب مع عطاء الشعب الفلسطيني وطبيعة القضية الفلسطينية وموقعها العربي والاسلامي والدولي مسألة أكثر من ضرورية وحيوية، انها مسألة حياة لشعبنا وامتنا، فالوطنيون والقوميون واليساريون والاسلاميون قدموا اجابات تقليدية بعضها مستنسخ والاخر انفعالي وردات فعل دخلت في محصلة الماضي المقيت، وهي تقف عاجزة عن اختراق الواقع والتقدم نحومستقبل التحرير وهي بلا تردد موضوعة في سجل الهامش.
ان وعيا بكل مافات يعني طرح الموضوع من جديد على العقل الفلسطيني والعقل العربي لترتيب الافكار والوسائل والاشخاص والاشياء في عملية فعل حقيقي ينجز تراكم مكتسبات والله غالب على امره.