تاريخ النشر: 2018-05-08 | 21:47
تاريخ النشر: 2018-05-08 | 21:47
زخر تراث العرب بالحوارات الفكرية الثرية التي كان منبعها ترشيد الصراع الفكري والمذهبي والحيلولة دون تحوله إلى صراع عنيف، كان العرب يهدفون من حواراتهم إلى الانتصار للحق، وهو هدف يختلف تماماً عن الجدل اليوناني الذي يقوم على الانتصار للرأي صائباً أم خطأ، هكذا اختلفت الرؤيتان وانطلاقتهما الفلسفية، انعكس هذا في احترام المذاهب الإسلامية على اختلافاتها للآراء المتضاربة أحياناً، هنا تبرز آداب المناظرة والحوار، وهو ما افتقدناه في الخطاب العربي المعاصر.
اختفى علم الجدل والمناظرة من أدبيات العرب المعاصرة، إذ تم وأده لأنه لا يتسق مع سمت الأنظمة الديكتاتورية العربية، وعلى جانب آخر رأت فيه تيارات الإسلام السياسي نسقاً يتضارب مع فكرة السمع والطاعة والتبعية، كما أن ضعف تكوين الدعاة وعلماء الدين العلمي لا يصب في تكوين علماء لديهم القدرة على خوض غمار الجدل، في حين أن علم الجدل ما هو إلا ترشيد لاختلاف الآراء ولو تم الاستثمار فيه سيصب في مصلحة المجتمعات العربية، إذ سيرشد التعصب الديني والمذهبي، وسيحدث حوارات صحية حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن المناظرة في التراث جسدت الدليل الحي على اقتناع الثقافة العربية الإسلامية بالحوار، واحتضانها الواسع للتعدد والاختلاف في المواقف والآراء والتصورات، ليس داخل بنيتها فقط، بل وكذلك في علاقة مع بنيات حضارية خارجية. إن المناظرة في التراث العربي الإسلامي جسدت المسار الخصب للتفاعل والانفتاح الذي سلكته هذه الثقافة، إذ لم تكن منغلقة على نفسها أو محترزة إزاء الآخر وتياراته، لقد حاورت هذه الثقافة من خالفها، وقبست مما أقنعها وخلال فترة تاريخية مهمة، وفي سياق حجاجي منتج أثرت هذه الثقافة وتأثرت، وعوض الحوار الإكراه وشهدت بغداد والأندلس المظاهر الأرقى لأجواء متسامحة أقرت التعايش والتحمل المتبادل.
إن المناظرة في التراث العربي الإسلامي لم تكن مواجهة عميقة أو اختلافاً عدمياً بل شكلت وسيلة للمفاعلة العقلية وعاملاً منتجاً للقيم والأفكار ومن ثم، غايرت العديد من أشكال التناظر الغربية. إن المناظرة في التراث العربي لم تكن ممارسة خطابية ومعرفية سائبة بل أحكمت بقواعد وآداب على المتناظرين التزامها، ولذلك أحاطها القدامي بشروط جعلتها ممارسة منتجة لا مماحكة عقيمة، كما قيدت الطرفين المشاركين فيها باحترام الاختلاف وتقدير المسافة بين الأفكار، لقد حددت المناظرة لطرفيها حقوقاً وواجبات وأقرت طقوساً مساعدة لها على أداء دورها المعرفي واختصت بمجالس معينة حفظت لها هيبة العلم وفائدته، لقد أثبت البحث أن المشاركين في المناظرة يتراوحان بين منازل الادعاء والمنع، منتهجين التدليل طلباً للصواب، وسعياً نحو الإفحام والإلزام. هذا التواجه المنتج الذي يجري داخل مجالس علمية، يقيد المتناظرين بجملة من الآداب فيها اعتبار الآخر والاحتراز عن الضحك ورفع الصوت والابتعاد عن المكابرة والاستعداد للمشاركة في بناء المعرفة.