الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الموريسكي والفلامنغو في رواية “ عودة الموريسكي من تنهداته” لعدوان العدوان

الموريسكي والفلامنغو في رواية “ عودة الموريسكي من تنهداته” لعدوان العدوان

تاريخ النشر: 2025-07-27 | 12:01

سأتناول الرواية من قاعدة الفلامنغو، الرقص الشعبي الأندلسي الغجري الموريسكي.

إن أهمية أي عمل أدبي هو ديمومته، فهو ليس علاجا للحظة تاريخية معينة، أو تشخيصا، أو تأ

ملا. الأدب الحي يدوم حتى لو مرت عليه سنوات، لذلك ما زلنا نقرأ لكبار الكتاب، الذين “تحول عظمهم لمكاحل”، ليس تخليدا لهم، وإنما تخليدا لهذا الفن الرفيع، والفن لا يعني الرواية فقط، بل يعني كل ما يكتب، وكل ما يرسم، وكل ما يغنى، وكل ما يمسرح، وكل ما يرقص، وكل ما يقال.

إن أهمية العمل الروائي بالذات الذي سأتناوله هذه المرة، هو إثارة الأسئلة التي لا تجد لها إجابة واحدة بالضرورة، بل تلد مزيدا من الأسئلة، وانفتاح الإجابات على مصراعيها من قراء ونقاد ومفكرين. الأعمال الفنية تثير التفكير، تعمل على تحفيز العقول للشغل الداخلي، ما بين الأذنين، لإعادة قراءة الماضي، والتنبؤ بالمستقبل، فكل مرة تقرأه بشكل مختلف. فالرواية هي مدخل للتفكير النقدي وما فوقه، بحيث ترى نفسك من نقطة أعلاها، مما يعيد تشكيل المنظومة الفكرية بشكل جديد، يدفعك لتغيير رؤيتك، وتغيير سلوكك.

إذا صح أن “الفلامنغو” مشتق من”الفلاح المنكوب”، وكثير من الكلمات العربية انسلت إلى اللغة الإسبانية، بعد حكم امتد لحوالي ثمانية قرون في الأندلس، وبعد الاحتكاك الثقافي الواسع بين بلاد الشام وإسبانيا، وبين شمال أفريقيا والأندلس على مدى قرون وقرون. إذا صح معنى ذلك المصطلح، فإنني يمكن أن أرتكز عليه، وأجد منطلقا ومعنى لما سأقوله تاليا.

نشأ “الفلامنغو”، بعد انتهاء الحكم العربي الإسلامي هناك، فالحكم العربي تم تفتيته، وجعله على شكل جزر منعزلة، حتى أن الدويلة الواحدة حاربت جارتها، وتآمرت عليها، واستعدتها، وتواطأت مع “حكم البيض” في الشمال، بل ناصرت الأعداء، وطلبت نصرتها، لمواجهة الأخوة الأقربين، دون وعي بأن الكل مستهدف، والاستهداف وجودي، بحيث يقتلع الجميع دون رحمة، دون شفقة، ودون إنسانية.

انتهى حكم غرناطة، بالقتال، وبالمؤامرات، وبالإتفاقيات الموقتة طبعا، كما يحدث هذه الأيام في منطقتنا. فتوزع الموريسكيون بين قتيل، ومهجر، ومن لم يقتل في “الدويلات” تم قتله في الطريق. انتهى حكم غرناطة وغيرها من دويلات الأندلس، وتم تنصير من تبقى منهم، أو تعذيبهم أبشع تعذيب،  بكل الوسائل المتاحة والوحشية، بالنار وبالصلب، وبالحصار والتجويع، والاغتصاب، وفصل الأبناء عن الوالدين، وبسجون الموت الجماعي، وبالسحل، وبكل أدوات التعذيب والقتل وقتها.

الموريسكيون هو المصطلح الذي أطلق على العرب والذين ناصروهم في الأندلس، وهو مشتق من المغربيين، بصفتهم الأقرب جغرافيا إلى الأندلس، ويستخدم مصطلح “مورو” كمسبة، بمعنى الفوضوي والمتوحش، أو كصفة للذين يسكنون جنوب المتوسط، كما يستخدم اليوم مصطلح “إرهابي” من قبل الغرب في وصفهم لنا.

انقسم الموريسكيون لعدة أقسام، منهم من تعامل مع الدولة، وتم الغدر بهم، ومنهم من بقوا في الأندلس تحت الحكم الكاثوليكي، وأجبروا على اعتناق دين الدولة، ومنهم من تم تهجيرهم إلى شمال أفريقيا، ومنهم من تم قتالهم وتعذيبهم، ومنهم من اختفوا في الجبال، فاختلطوا ب “الغجر” القادمين من شرق أوروبا، ومن الهند أصلا. فهم متنقلون مثل البدو الرحل، مهمشون، لهم ثقافتهم الخاصة، وعاداتهم وتقاليدهم، وفنونهم.

اجتمع بعض “الموريسكيين” مع “الغجر”، ليحموا أنفسهم، ويشكلوا حماية لبعضهم، فنشأ اختلاط بين فنونهم، الفن “الغجري” من جهة، والفن الأندلسي من  جهة أخرى، فكونوا عجينة غريبة، هي ما نراه اليوم ونسميه “الفلامنغو”.

راقبوا فن “الفلامنغو”، لا ترى أي ابتسامة أو ضحكة على وجوه المغنين والراقصين. إنهم عابسوا القسمات، جديين جدا. غناؤهم هو صرخات ومواويل، ورقصهم هو دق الأرجل بالأرض، وأياديهم تلوح شمالا ويمينا، نحو السماء تارة ونحو الأسفل تارة أخرى، يفردونها ويجمعونها بحركات متناسقة. إنه فلكلور العوام، المهمشين. إنه فن المهمشين، الذي انتقل في فترة لاحقة إلى الشوارع والساحات العامة، ثم إلى المسرح الرسمي بعدما تبنته الدولة (هذه قصة طويلة، حين يتبنى المنتصر فنون المنهزم، ويصبح جزءا من تراث الحكام). ثم انتقل إلى المسارح العالمية. بالعكس تماما من الإرث الخاص بمصارعة الثيران، الذي ابتدأ من الفلاحين، ثم تبنته الطبقة الأرستقراطية، وأقيمت الساحات والمسارح الخاصة بذلك، والمهرجانات الشعبية، وبدأ بالتراجع بعد حملات إعلامية لما في ذلك إساءة للحيوانات.

غناء “الفلامنغو”  يعبر عن مأساة، فيه الغضب، والألم، والحزن، والبكاء، والنواح، والأذان والدعاء والصلاة، مع الطبيعة ومنها. إنه الولولة والندب على ما جرى ويجري لهم، وترافق التصفيق مع اللحن وحركة الأرجل. إنه التمرد الإيجابي، رفض الواقع، واقع التهميش، واقع الاستعباد، واقع تغيير الهوية وطمسها. بالفقاشات حينا، وبدونها وبغيرها حينا آخر، بألوان ثيابهم الزاهية الفاقعة، الأحمر والأسود. يغنون جماعة أو فرادى، ويحكون جملا هنا وهناك، كقواطع للغناء أو جزء منه، فهم يحكون قصة، وحكايات، وتاريخ وجغرافيا.

قلت التمرد، التمرد لا يعني الخنوع، وهو عكس الانتحار الجسدي، وعكس انتحار “ألبير كامو”، فالانتحار عنده أن تلتصق تماما بفكرة، ولا تتغير مع الزمن، أن تصبح عبدا، ومقودا من آخرين، يفكرون عنك، ويتخذون القرارات بالنيابة عنك. لكن التمرد هو خيار في هذه الحياة “العبثية”، التي لا تعرف بالضبط لماذا تعيش، ولماذا ستموت. لم تكن الحياة خيارك، ولا يكون الموت خيارك أيضا.

موسى الأول، الذي عاش حوالي 120 سنة، مات في ظروف غامضة، ولا يعرف قبره حتى الآن، رغم المقامات العديدة التي بنيت هنا وهناك، وموسى ابن أبي غسان، اختار المواجهة، ثم ألقى بنفسه في النهر (انتحر)، وموسى النابلسي، هو الآخر، واجه الأعداء، كما موسى الأندلسي، فرأى الخيانة، والمستسلمين، والتآمر، وخذلان بني جلدته، ورأى قتل الذي استسلموا، فأطلق رصاصة في رأسه،  واضعا حدا لحياته.

هل هذا هو المقصود من الرواية؟ أن يتم القتل والتعذيب والتهجير والاختلاط بالغجريين (المتمردين)، ثم ننتحر؟ هل كتب علينا الانتحار، لنظل نذكر المنتحرين في قصائدنا وأغانينا ورقصنا ومواويلنا الحزينة؟ هل سنظل نولول تاريخنا المعيب، وغير المتحلي بأخلاق ولا قيم توقف التهجير والقتل والتعذيب؟ هل تتحول هويتنا لهوية المظلوم الذي انتهى وقتل نفسه؟

لا أظن أن د. عدوان قصد ذلك، بل أراد التنبيه لما جرى بالأمس البعيد، وما جرى بالأمس القريب، وما يجري اليوم. أظنه أنه يدعو للتمرد، وعدم قبول هذا الواقع القاسي الذي يحولنا لعبيد، دون نصرة الأقربين، ولا الأبعدين الذي سنوا قواعد وحقوق الإنسان، ومجلس الأمن، والأمم المتحدة، وعديد المنظمات الإنسانية. إنه دعوة لإظهار الخذلان من الذين تباكوا على حقوق الحيوانات، والرفق بها، والذين دعموا مؤسسات غير حكومية لحقوق المعاقين، والمرأة والطفل وكبار السن.

أخشى أن تتحول فنوننا وفنون العالم لبكائيات على مصيرنا، وحاضرنا، كما تسللت الألحان “الفلامنغوية”، كما في أغنية “ألف ليلة وليلة” لأم كلثوم، وألحان فريد الأطرش خاصة في أغنيته “الربيع”، وفي “ يا ريم وادي ثقيف” لنجاح سلام، وفي الأغاني الصوفية المغاربية، والمواويل المصرية، والحبل على الجرار.

ويبقى السؤال الأهم، هو اسم موسى، لماذا موسى؟ سيقول البعض بأنه اسم عربي. نعم صحيح، لكن له رمزيته، وإن تم تعريبه أو العكس. لماذا موسى هو المنتحر في الحالتين؟ موسى الأندلسي، وموسى النابلسي، موسى في غرناطة، وموسى في جبال الأندلس بين “الغجر” ومعهم، وموسى بين جبلين في نابلس.  فهل الذي واجه وأنتحر هو موسى الذي يخصنا، أم موساهم؟

أظن أن الكتابة خيار، والأسماء خيار، فهل نحن الموريسكيون الجدد، أم هم؟

الانتحار ليس من قيمنا، ولا تاريخنا بالشكل العام، لكن المواجهة والصبر والتحمل هي ما يميز النابلسي، بين الجبلين وعليهما، بين جرزيم وعيبال، جبال النار. بينما يرد في تاريخ الآخرين أنهم انتحروا، واختاروا غير الحياة.

الرواية كتبت منذ أكثر من عقد، وانتشرت، وهي بين أيدي القراء.

لكن المهم في الرواية هو هذه الأسئلة التي ما زالت تطرح مني ومن آخرين.

×
أخبار
غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط