لم تعد التحركات العسكرية التي يقودها نظام الملالي في المنطقة مجرد ردود فعل على تطورات أمنية أو سياسية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تصدير الأزمة الداخلية إلى الخارج. فكلما ازداد الضغط الشعبي داخل إيران، واتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع، لجأ النظام إلى توسيع ساحات التوتر، أملاً في فرض معادلات جديدة تعيد إليه بعضاً من توازنه المفقود.
وخلال الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات واضحة على محاولة الحرس الإرهابي نقل بؤر التوتر من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ثم إلى باب المندب، مع تصاعد المخاطر التي باتت تهدد الملاحة الدولية وصولاً إلى قناة السويس. ولم تعد هذه التحركات مجرد رسائل سياسية، بل تحولت إلى أدوات ضغط على الاقتصاد العالمي وعلى الدول العربية، في محاولة لابتزاز المجتمع الدولي وإشغاله بأزمات أمنية متلاحقة.
هذه السياسة ليست جديدة في جوهرها، لكنها اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، لأنها تأتي في مرحلة يعيش فيها النظام واحدة من أعقد أزماته الداخلية. فالاقتصاد يواصل الانحدار، والتضخم يلتهم دخول المواطنين، والبطالة تتوسع، والعملة الوطنية تفقد قيمتها بصورة متسارعة، فيما تتزايد الاحتجاجات والإضرابات في مختلف المحافظات. وفي المقابل، يواصل النظام إنفاق مليارات الدولارات على الحرس الإرهابي وشبكاته المسلحة خارج الحدود، بينما يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيه.
إن توسيع دائرة التوتر في الممرات البحرية ليس سوى امتداد للعقيدة التي حكمت سياسة النظام منذ أربعة عقود، والقائمة على أن بقاءه يرتبط باستمرار الأزمات. ولذلك فإن كل حديث عن تهدئة إقليمية يصطدم بحقيقة أن النظام نفسه يحتاج إلى التوتر أكثر مما يحتاج إلى الاستقرار، لأنه يدرك أن أي مناخ هادئ سيعيد الأنظار مباشرة إلى الداخل الإيراني، حيث تتراكم أسباب الانفجار الشعبي.
كما أن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط يكشف طبيعة المشروع الذي يقوده الحرس الإرهابي. فبدلاً من أن تكون مضائق المنطقة جسوراً للتجارة والتنمية والتعاون بين شعوبها، يحاول النظام تحويلها إلى ساحات ابتزاز عسكري وسياسي، بما يهدد مصالح دول الخليج العربي، والدول المطلة على البحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية بأسرها.
لكن التجارب أثبتت أن هذه السياسة لا تستطيع أن تعالج أزمات النظام، بل تزيدها تعقيداً. فكل تصعيد خارجي يقابله مزيد من العزلة الدولية، ومزيد من الضغوط الاقتصادية، ومزيد من النقمة الشعبية داخل إيران، حيث بات المواطن الإيراني يرى بوضوح أن ثروات بلاده تُهدر في مغامرات خارجية لا تعود عليه إلا بالفقر والقمع.
لقد أكدت السيدة مريم رجوي مراراً أن السلام والاستقرار في المنطقة يبدآن من إنهاء سياسة تصدير الإرهاب والتطرف التي يعتمدها نظام ولاية الفقيه، وأن الشعب الإيراني هو أول ضحايا هذه السياسة، كما أن شعوب المنطقة كلها تدفع ثمنها. ولذلك فإن الحل لا يكمن في تقديم تنازلات جديدة لهذا النظام أو التعايش مع ابتزازه، بل في الوقوف إلى جانب حق الشعب الإيراني في الحرية، ودعم نضاله المشروع من أجل إقامة جمهورية ديمقراطية تفصل الدين عن الدولة، وتعيش بسلام مع جيرانها.
فأمن الخليج، وأمن البحر الأحمر، وأمن الممرات البحرية الدولية، لن يتحقق ما دام النظام يعتبر إشعال الأزمات الخارجية وسيلته الوحيدة للهروب من أزماته الداخلية. والطريق الحقيقي إلى استقرار المنطقة يبدأ من داخل إيران، عندما يستعيد الشعب الإيراني حقه في تقرير مستقبله وبناء دولة تحترم مواطنيها وجيرانها، بدلاً من تصدير الحروب والأزمات إليهم.