الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الهجرة السرية.. التداعيات..والمعالجات الممكنة

الهجرة السرية.. التداعيات..والمعالجات الممكنة

تاريخ النشر: 2023-09-24 | 07:56

"إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر،وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات".(العالم الديمغرافي الفرنسي الكبير ألفريد صوفي   Alfred sauvy)

ركِبْنَا الموْجَةَ الحَمْرَا..فَرَرْنَا مِنْ مَرَاسِيــنَا

فَتَدْفَعُنَا بِعرْضِ البَحْرِ..تَضْرِبُ فِي نَوَاصِينَا

تُظَلِّلُنَا غُيُومُ الموْتِ..أَحْلَك مِنْ مَآسِيــــــــنَا

وَتَرْحَلُ مِثْلَ رِحْلَتِنَا..تُقَهْقِهُ مِنْ أَمَانِيــــــــنَا

فَهَذَا اليَمُّ مَدْفَنُنُا..وَهَذَا الموجُ يَسْقِيــــــــــنَا

كُؤُوسُ الموتِ جاهِزَةٌ..فَلاَ تَعْجَبْ لِمَا فِيـنَا

 

لا تؤثر الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ الصيف الماضي على المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فقط،ولكنها تتعدى ذلك حسب الخبراء لتمس نفسيتنا ودواخلنا..فالتونسي اليوم مريض بما مرضت به البلاد من احتقان وعنف تجاوز كل الحدود المتعارف عليها في مجتمعنا.

والمتتبع لما يكتب وما ينشر خاصة على صفحات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تشكل بلا منازع المرآة العاكسة لكل انفعالات التونسيين والتونسيات يلاحظ بسرعة علامات التشنج الواضحة في الخطابات وفي السلوكيات من كل الأطراف بدون استثناء..

بين واقع إجتماعي و إقتصادي صعب و سلطة تهب رياحها دون أن تسقي رحيق أحلام شباب الوطن وماء المتوسط الهادئ،آثر آلاف الشباب البحر و اختاروا الهجرة بحثا عن مرسى لأحلامهم التائهة،قبل أن يكتشفوا أن للكون حافة و للأرض منتهى يقود للهلاك أين إنقلبت مراكبهم و إنغمرت أمنياتهم بأمواج الموت التي حفظت مسارهم و إقتاتت مراكبهم لسنوات عديدة .

بعد أقل من يوم على فاجعة مركب قرقنة التي راح ضحيتها قرابة الستين (العدد كان زمنئذ كان مرشحا للإرتفاع)،رُفع الغموض على عديد التساؤلات التي كان أبرزها هويات الضحايا..تساؤلات طرحها الجميع إلا أمهات المهاجرين اللواتي إنشطرت قلوبهن بين أمل إنقاذ وهاجس فقدان و شبح إنتشال..عبارات لم يكنّ مخيرات في إنتقاء إحداها غير أن الواقع فرض عليهن الإنتظار بعين باكية و جسد مرتعش وقلب وجل

قبل أن يرفع بعض الستر-وقتئذ-حين أعلن مصدر طبي لمندوب-الصريح بتطاوين-(كاتب هذه السطور )أن أغلب الناجين ينحدرون من ولايات قابس و مدنين و المهدية و تطاوين و القيروان وسيدي بوزيد و القصرين،ما يؤكد مجددا أن ولايات الوسط و الجنوب خاصة هي الخاسر الأكبر في فواجع غرق مراكب الموت في كل عملية هجرة غير نظامية لسنوات عديدة،فالحوادث المماثلة السابقة شهدت أيضا ضحايا كُثر من ولايات الجنوب التونسي..

وإذن..؟

المنسيون إذا،الذين رحلوا عن الحياة كأنهم لم يعيشوا أصلا..هم أساسا ضحايا زمن لئيم..وأخرس..

هكذا يصفهم تقرير لأسوشيتد برس يوثق وفاة أو اختفاء أكثر من 56800 مهاجر في جميع أنحاء العالم منذ عام 2014،أي ضعف الرقم الرسمي الصادر عن منظمة الهجرة الدولية.

ضاع عدد كبير منهم في الصحارى أو سقطوا فريسة مهربي البشر،تاركين عائلاتهم تتساءل عما حل بهم!.

فيما تعج المقابر برفات مجهولين في مقاطعة غوتنغ في جنوب أفريقيا،أو في مدينة جرجيس الساحلية في تونس.وثمة مقابر مماثلة في إيطاليا واليونان وليبيا.ومن المؤكد أن حصيلة أسوشيتد برس هي أيضا أقل من الحقيقة.

فثمة أجساد غير مكتشفة لا تزال في الصحراء أو في قاع البحر.ولا تشير العائلات دائما إلى أن احباء لها فقدوا،كون مغادرتهم كانت غير قانونية أو لأنهم غادروا من دون أن يحددوا بالضبط وجهتهم.

ونتيجة لذلك،فإن الكثير من الأسر عالقة بين الأمل والحداد،مثل السيدة ف.ز (طلبت منا عدم ذكر إسمها بالكامل).فولدها أ.ز غادر مدينة تطاوين في السابع من ماي2011 متوجها إلى أوروبا على متن قارب صغير من مدينة جرجيس الساحلية مع العشرات من المهاجرين..غرق القارب ولم يسمع من أ.منذ ذلك الحين.

وعلى أمل أن يكون على قيد الحياة،والداه ينتظران.

تقول والدة-أ-"أنا أنتظره فقط.أتخيله دائما واقفا خلفي،في البيت،في السوق،في كل مكان.عندما أسمع صوتا بالليل أعتقد أنه آت،عندما أسمع صوت دراجة نارية،أعتقد أن ابني عاد".

وتوثق الحصيلة الرسمية للأمم المتحدة إلى حد كبير حالات الوفاة في البحر المتوسط وأوروبا،لكن على الرغم من ذلك،هناك حالات أخرى تسقط من الحسابات.

على سبيل المثال،مات أكثر من 800 شخص في أفريل2015 أثناء تحطم قارب صغير قبالة أحد الشواطئ الإيطالية،فيما تم وصفه بالكارثة البحرية الأكثر فتكا في أوروبا،وتعهدت الحكومة الإيطالية آنذاك بتحديد هوية الضحايا والتوصل إلى عائلاتهم،لكن الآن بعد مرور أكثر من 8 سنوات،توقف تمويل هذا المشروع.

وخارج نطاق أوروبا،تعتبر المعلومات حول المهاجرين غير الشرعيين أكثر ندرة،وحتى في الولايات المتحدة حيث أصبحت الهجرة موضوعا شائكا،لا يوجد جهد منظم لتحديد أماكن اختفاء المهاجرين أو موتهم،أو حتى سياسة للتعرف على هوية القتلى وإخطار عائلاتهم،ولا يعرف إلا القليل عن ضحايا الهجرة غير الشرعية في أمريكا الجنوبية،حيث أصبحت الهجرة من فنزويلا هي الأكبر على مستوى العالم الآن،ونتيجة لذلك تسيء الحكومات تقدير حصيلة ضحايا الهجرة غير الشرعية التي تحولت إلى قضية سياسية واجتماعية هائلة على مستوى العالم.

وهنا أضيف :

في السنوات الاخيرة،غلبت على السياسات الاوروبية،أكثر فأكثر المقاربة الامنية،لكن أمام تواصل تدفق المهاجرين،تسعى الان بكل الطرق للتخلص من ازمة تدفقهم عبر ترحيلهم الى بلد اخر من خلال ابرام صفقات مع الحكومات،مثلما وقع مع تركيا،وحسب المراقبين فان كلا الحلين،الامني أو الترحيل،غير ناجعين ما دامت هناك معضلات عميقة في جنوب المتوسط،منها الفقر والبطالة والقمع السياسي والحروب الاهلية.

وحتى اتفاق مراكش الاممي حول تحقيق"هجرة امنة ومنظمة ومنتظمة "التي صادقت عليه 164 دولة في العالم،خلال شهر ديسمبر 2018،فقد أظهر انقساما حادا ضمن دول الاتحاد الاوروبي،رغم صبغته غير الالزامية،حيث اثارت نقاط عديدة،منها "تحسين الخدمات الاساسية للمهاجرين" و"العمل على ان لا يشوب تقديم الخدمات اي تمييز ضدهم"حفيظة حكومات يمينية في اوروبا.

أمام فشل كل المحاولات ربما حان الوقت ان تنظر أوروبا الى الهجرة نظرة مغايرة وتواجهها عبر استراتيجية بعيدة المدى،استراتيجية تقلل من ردود الفعل الامنية،وتأخذ في الاعتبار مبادئ حقوق الانسان وتكرس التضامن الدولي..عند ذلك فقط يتحول المهاجرون،بكافة اصنافهم،من عبء ثقيل إلى عامل اثراء تستفيد منه دول المنشأ والدول المضيفة.

والخلاصة أن محددات الهجرة كثيرة ومتباينة وأن الإجراءات القانونية لدول الاستقبال لا يمكن أن تكون فاعلة إلا إذا واكبتها إجراءات مصاحبة للتأثيرعلى هذه العوامل في إطار مقاربة شاملة.

ويلخص العالم الديمغرافي الفرنسي الكبير ألفريد صوفي Alfred Sauvy إشكالية الهجرة بقوله "إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر،وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات".

وأنا أقول : إنّ التعامل مع الهجرة غير الشرعية باعتبارها متنفسًا لحلّ المشاكل الداخلية هي استراتيجية تسكّن الألم لكن لا تزيله ويبقى المشكل الأكبر هو في الوقاية التي هي خير من العلاج. وهو ما يجعلنا كتّابًا ومفكّرين نسعى جاهدين لتغيير الأسلوب الفكري في التعامل القضايا المتنوعة بحيث يجب الاهتمام بالدراسات أكثر للظواهر قبل استفحالها والتعامل مع الأمور بنظرة استباقيه وهذا والنجاح الحقيقي الذي سيجعلنا نمتطي سلّم المستقبل بثقة لا تزعزعها الرياح.

إنّ الهجرة غير الشرعية مشكلة عالمية مثلها مثل أيّ مشكلة أخرى،تقتضي دراسات عميقة للظاهرة وبدائل يمكن أن تخفف من وطأتها علما وأنّ تفكيكها يقع عندما يتم الترابط بين الأسلاك العلميّة حتّى تحاول بناء شخصيّة مستقبليّة لا تخضع بصفة آلية للثقافة السائدة.

على سبيل الخاتمة:

يثير تصاعد وتيرة "الحرقة"في السنوات القليلة الماضية سيما بعد ثورة التحرير المجيدة و بشكل فجئي بعض الأسئلة قد تبدو غريبة ولكنها تحتاج الى إجابات دقيقة حتى يتم تفنيدها أو إثباتها فهل فتحت الأبواب عمدا أمام موجات الهجرة السرية لامتصاص الغضب الاحتجاجي وتوجيه اهتمام الرأي العام ؟

هل هناك"تواطؤ" (موضوعي ربما) بين شبكات التهريب ونزع فتيل الاحتجاجات لدى شبان المناطق الداخلية (من اجل إفراغ تلك البؤر الاحتجاجية من فاعليها؟

هل هناك أيادي خفية تريد النيل من صورة تونس ؟

هل لنا سياسة وطنية للهجرة عموما؟ هل تكفي المقاربة الأمنية / القانونية المكثفة و المتشددة لتقليص حجم"الحرقة"ومجابهة انعكاساتها وتداعياتها؟

أي تكلفة بشرية لكل ذلك ألا يخشى أن تكون على حساب حقوق الإنسان و ما نصت عليه المواثيق الدولية و الدستور التونسي ؟ و مع ذلك كيف يمكن حقيقة “معالجة ظاهرة الهجرة السرية “الحرقة” ولو على المستوى المتوسط والبعيد رغم يقيننا أن بلوغ الدرجة الصفر من الهجرة السرية سيظل في المدى القريب على الأقل ضربا من الاستحالة..؟

ما هي البدائل الممكنة للحد من هذه الهجرة استنادا الى السياسات العمومية و أجهزتها التنفيذية ( التعليم والتكوين،التشغيل،التنمية،تثمين قيم العمل و تجديد الحلم الفردي و الوطني..؟

..وتظل هذه التساؤلات عارية،حافية..تنخر شفيف الروح..

×
أخبار
"الجزيرة" تُنهي خدمات 24 صحفياً وعاملاً في غزة بالتزامن مع دعوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط