تاريخ النشر: 2016-04-03 | 07:59
تاريخ النشر: 2016-04-03 | 07:59
عقود خلت تبنت فيها القيادة العسكرية الإسرائيلية استراتيجية الحرب الاستباقية - الوقائية وهي مستمدة من التوراة, إذ أن التبرير الخلقي والسياسي للهجوم الاستباقي متجذر في الفريضة التوراتية التي تقول "من قام عليك ليقتلك اسبقه واقتله" وهي التي وفرت الغطاء الديني والاخلاقي لتشريع قتل العرب ومهاجمتهم حتى وان لم يكن العرب أو العربي قد بدأ الهجوم.. بل حتى اذا اعتقدت القيادة الإسرائيلية بأن هناك نية مبيتة لدى العرب بمهاجمة اسرائيل فلديها أي (اسرائيل) المسوغ القانوني التوراتي ببدء الهجوم وهو ما أطلق على تسميته العقيد الاسرائيلي السابق ايغال الون في منتصف الستينات من القرن المنصرم (الهجوم الاستباقي) والذي صنفه كمبادرة عملياتية إسرائيلية تتخذ ضد الحشودات العدائية وتستهدف إحتلال مواقع ذات شأن أمني حيوي عند العدو قبل أن يبدأ بهجومه المفترض, فالهجوم الاستباقي يعرف بأنه هجوم مدبر من قبل إحدى الدول على الأخرى, أي الإعتداء الذي لا يعتبر نتيجة عدوان ما, أو نتيجة أعمال مباشرة ومكشوفة من قبل دولة معادية, والهدف لذلك الهجوم هو تدمير القوات العسكرية لهذه الدولة, لفرض الشروط التي تريدها عليها, والمهم في هذه الحرب تحقيق أقصى قدر من المفاجأة, وعادة ما تأتي هذه الحرب للتحرز والاحتياط ازاء خطر متوقع, وللتمييز بين الحرب الاستباقية و الوقائية, فقد لجأ قادة اسرائيل لاعتبار الحرب الاستباقية تكون في حالة توفر دلائل فعلية لهجوم عربي بينما تعتمد الحرب الوقائية على معلومات استخبارية بتوفر النوايا لدى الخصم وليس بالضرورة تواجد قوات أو دلائل على الارض للقيام بهجوم.
وانتهجت اسرائيل سياسة الحرب الوقائية الاستباقية كاستراتيجية ممنهجة بدءً من العدوان الثلاثي على مصر 1956م مروراً بحرب 1967م وحرب لبنان 1982م, وحرب لبنان 2006م وحروب غزة على التوالي 2008- 2009م,2011م,2014م الأخيرة, وكلها حروب جاءت لتحقيق اهداف سياسية سعت لتحقيقها اسرائيل اضافة لهدف عسكري أساسي متمثل بتعزيز الردع الاسرائيلي. فاسرائيل تعتمد على سياسة الردع وعندما يفشل الردع تأتي الحرب الاستباقية لتعزيز الردع , والعكس فالردع يأتي لمنع الحرب الاستباقية, ولكن المثير في النهج العسكري الصهيوني خلال الهبة الشعبية الجارية بالضفة الفلسطينية المحتلة هو تحول سياسة الحرب الاستباقية الوقائية من شكل نمطي لحروب اسرائيل مع دول وجيوش أو حتى فصائل مسلحة لتنسحب على ممارسات جنود وضباط قوات الاحتلال الاسرائيلي في تعاملهم مع الفلسطينيين المنتفضين بالضفة الفلسطينية, وهنا يتمثل أمامنا مشاهد قتل الأطفال والفتيات والشباب الفلسطيني بالخليل والقدس على وجه التحديد برصاص الجيش الاسرائيلي بدعاوى محاولات طعن جنود اسرائيليين, ولعل آخرهم قتل الجندي الاسرائيلي للجريح الفلسطيني الشاب الملقى على الأرض عبد الفتاح الشريف, فالنظرة العنصرية الصهيونية ذات الجذور التوراتية لا زالت تسيطر على الجيش الاسرائيلي وجنوده المتلقين للتوصيات والتعليمات الدينية من حاخامات الجيش الذين يطلقون العنان لعنصريتهم البغيضة بأن تطلق صفة (الجوبيم) على بقية البشر من غير اليهود وهم الذين خُلقوا من طينة شيطانية وكان الهدف من خلقهم خدمة اليهود, ولم يمنحوا الصورة البشرية الا بالتبعية لليهود ليسهل التعامل بين النوعين اكراماً لليهود, فاليهود هنا أصلاء بالانسانية والجوبيم أتباع فيها, وعليه يحق لليهود معاملة الأميين كالبهائم, فالآداب والمعاملات التي يتمسك اليهود بها لا يمكن أن يعاملوا الأميين بها, فلهم أن يسرقوهم ويكذبوا عليهم ويغتصبوا أموالهم, بل ويقتلوهم, وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك على لسانهم بالقول "ليس علينا في الأميين سبيل"(آية75, سورة ال عمران).
وفي ظل أجواء الغطرسة الصهيونية ذات الرداء التوراتي الاستعلائي على بقية البشر, بات الجندي الاسرائيلي مسلح بأساطير توراتية دينية وأخرى وطنية صهيونية تجيز له الرؤية باليقين التام بشرعية قتل الفتى الفلسطيني والفتاة الفلسطينية وحتى الشاب الجريح الملقى بوسط الطريق والذي لا يقوى على تحريك شفتيه, ويفعل الجندي الاسرائيلي جرمه ويقتل الفلسطيني بدم بارد!! وبعدها تثور ثائرة جموع الصهاينة من قيادات حزبية الى مؤسسات ورجال دين يهود مطالبين بعدم محاسبة الجندي الاسرائيلي على ذلك لكونه قام بواجبه الوطني والديني والأخلاقي!!! تناقض وفارق ليس من اليسير على الانسانية بالقرن الواحد والعشرون ادراكه, خاصة اذا علمنا أن القانون الدولي يحدد حالات الدفاع عن النفس بإطلاق النار وباستخدام القوة في "حالة الخطر القصوى التي تكون فيها حياة الجنود مهددة بخطر داهم" أما في حالة كون المهاجم كف عن فعله وزال وانحسر خطره بل واستسلم وأستلقى على الأرض مضرجاً بدمائه، في هذه الحالات يُحَرِّم القانون الدولي إطلاق النار وقتل الطرف الاخر أي الخصم, ويعتبر القتل في هذه الحالات جريمة حرب يحاكم عليها القانون الدولي, ولكن اذا وضعنا أمام تقصي حقائق "لأفعال جنود شعب الله المختار" ندرك تماما أننا أمام كيان سياسي صنفته الدول الرأسمالية الحديثة بأنه وجنوده فوق القانون الدولي والقانون الانساني, وأن من حق أكثر الناس قتلاً أن يبقى حيأ هو قانون شرعي يبقى هو الناظم لدولة احتلال عنصري فوق كل القوانين والأعراف الدولية, وكل المحاولات الحقوقية لجر قادة الكيان وجنوده لساحة العدالة الدولية اذ لم تبوء بالفشل بسبب الراعي الامريكي والغربي لدولة الاحتلال, ستبقى محاولات انسانية فاعلة ومقاومة تعمل على انحسار الظلم الانساني الواقع على كاهل الشعب الفلسطيني.
ا. علاء محمد منصور