في عالم يزعم فيه الغرب تمسكه بالقيم العالمية من عدالة ومساواة، تبرز بين الفينة والأخرى وقائع تكشف الوجه الآخر لهذه الدعاوى. واحدة من أحدث هذه الوقائع وأكثرها إيلاماً للعالم العربي تحديداً، هي ما تعرض له المنتخب المصري في كأس العالم 2026 من ظلم تحكيمي فاضح، لم يكن مجرد خطأ بشري عابر، بل نمطاً متكرراً يعكس عقلية أوسع تسود المؤسسات الغربية وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA).
في مباراة الدور ثمن النهائي التي جمعت مصر بالأرجنتين، كان المنتخب المصري على بعد دقائق من تحقيق إنجاز تاريخي، حيث تقدم 2-0 على حامل اللقب. لكن ما حدث بعد ذلك حمل كل معاني الظلم الذي يتعرض له الأضعف في مواجهة الأقوى.
شهدت المباراة واقعتين متشابهتين لكن بنتيجتين متعاكستين تماماً. في الدقيقة 58، سجلت مصر هدفاً ثانياً، لكن حكم المباراة الفرنسي فرانسوا ليتيكسييه عاد عبر تقنية الفيديو (VAR) وألغى الهدف بعد الرجوع 30 ثانية إلى الوراء، معللاً ذلك بوجود لمسة بسيطة من لاعب مصري على مدافع أرجنتيني. وفي المقابل، وفي الوقت بدل الضائع، سقط النجم المصري محمد صلاح داخل منطقة جزاء الأرجنتين إثر احتكاك واضح، لكن الحكم لم يحتسب ركلة جزاء، بل سمح للأرجنتين بمواصلة الهجوم وتسجيل هدف الفوز.
لم تقتصر المظالم على هاتين الواقعتين فقط، بل اتهمت مصر الحكم بالازدواجية في معايير البطاقات الصفراء، حيث ارتكب المنتخب الأرجنتيني 13 مخالفة دون أي بطاقة صفراء، بينما تلقى لاعبو مصر عدة بطاقات، وحصل مدرب مصر على بطاقة حمراء.
لم يكن رد الفعل المصري مجرد احتجاج عابر. فقد صرح المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن قائلاً: "هذه النتيجة تتجاوز بكثير مجرد الخسارة، لأننا لم نرَ أي احترام أو روح رياضية". وأضاف متسائلاً: "لماذا لا توجد عدالة في عالم الرياضة؟". وتقدم الاتحاد المصري لكرة القدم بشكوى رسمية إلى FIFA طالباً إيقاف طاقم التحكيم عن باقي مباريات البطولة، وانضم الاتحاد الأفريقي لكرة القدم إلى الاحتجاج المصري، مشككاً في تعرض المنتخبات الأفريقية بشكل عام لمعايير تحكيمية مختلفة.
الأكثر إيلاماً كان تصريح لاعب مصر مصطفى زيكو: "هذا غير عادل، غير عادل، حقاً غير عادل. الحكم أضاع جهود دولة بأكملها". أما حسام حسن فذهب إلى أبعد من ذلك، متسائلاً: "ربما أرادوا إبقاء حامل اللقب في المنافسة. ربما أرادوا أن يبقى ميسي في السباق"، وأضاف: "الحياة غير عادلة أحياناً، والعالم غير عادل، لكن لماذا لا تبقى الرياضة عادلة؟".
ما حدث لمصر ليس حالة معزولة، بل يعكس نمطاً أوسع في تفكير المؤسسات الغربية وعلى رأسها FIFA. فالاتحاد الدولي لكرة القدم، رغم ادعائه العالمية، يعاني من مركزية غربية واضحة في هيكله التنظيمي. في مجلس FIFA المكون من 37 مقعداً، تشغل أوروبا 9 مقاعد، وهو عدد يفوق تمثيلها الجغرافي الطبيعي.
هذه المركزية الغربية تترجم إلى ازدواجية في المعايير. فعندما يتعلق الأمر بالمنتخبات الكبيرة والغنية، تجد المؤسسات الغربية مرونة في تطبيق القوانين. مثال ذلك ما حدث مع المنتخب الأمريكي عندما تدخل الرئيس ترامب شخصياً وأجرى اتصالاً برئيس FIFA جياني إنفانتينو للضغط من أجل إلغاء إيقاف لاعب أمريكي، وهو ما وصفه البعض بأنه "انتهاك صارخ" للقواعد. وفي المقابل، عندما يتعلق الأمر بمنتخب نامٍ مثل مصر، تطبق القوانين بأقصى درجات الصرامة، بل ويتم تفتيش أدق التفاصيل لإيجاد مبرر لإلغاء هدف.
هذه الازدواجية تعكس عقلية استعلائية تنظر للعالم من منظور "نحن" و"هم"، حيث "نحن" نمثل الحضارة والقانون، و"هم" تمثل التابعين الذين يجب أن يخضعوا للقواعد دون أن يكون لهم صوت في وضعها أو تفسيرها. وصف أحد المحللين هذا الأمر بأنه "إمبريالية رياضية" تمارس هيمنة ثقافية على العالم النامي.
ومن هنا نرى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يعد مجرد هيئة رياضية، بل تحول إلى منصة تجارية عالمية تتبع نموذجاً ربحياً بحتاً. هذا التحول يعني أن القرارات لم تعد تُتخذ بناءً على مبادئ العدالة الرياضية، بل بناءً على اعتبارات تجارية.
فبقاء منتخب بحجم الأرجنتين ونجم بحجم ميسي في البطولة يعني إيرادات ضخمة من حقوق البث والإعلانات والجماهير. بينما خروج منتخب مثل مصر، مهما كان أداؤه رائعاً، لا يمثل خسارة مالية كبيرة. هذه النظرة التجارية تفسر لماذا كانت القرارات التحكيمية تميل لصالح الأرجنتين، وكيف تم تجاهل احتجاجات مصر.
هذا الجانب التجاري يتجلى أيضاً في سياسات FIFA التسعيرية، حيث تفرض أسعاراً تمييزية على الدول النامية، وفي هيكل البطولة الذي وسع عدد المنتخبات إلى 48 فريقاً ليس لأسباب رياضية بحتة، بل لتعظيم الإيرادات.
واختم بالقول بأن ما حدث لمنتخب مصر في كأس العالم 2026 لم يكن مجرد خطأ تحكيمي، بل كان كشفاً للوجه الآخر للغرب ومؤسساته. إنه وجه لا يؤمن بالعدالة كقيمة عالمية، بل يمارس ازدواجية المعايير وفقاً لمصالحه. وجه ينظر للرياضة كسوق وليس كملعب، وللشعوب النامية كمستهلكين وليس كشركاء.
صحيح أن كرة القدم ستظل لعبة جميلة، لكن جمالها يتلاشى عندما تصبح ساحة لتمديد الهيمنة الغربية. وكما قال المدرب المصري حسام حسن: "نحن قادرون على مواجهة أي خصم - بشرط أن تكون المباراة عادلة".
ربما حان الوقت لأن تدرك الشعوب العربية والإفريقية أن الرياضة، مثل السياسة والاقتصاد، ليست محايدة، وأن النضال من أجل العدالة يجب أن يمتد ليشمل الملاعب كما يشمل ساحات السياسة. فالوجه الآخر للغرب الذي رأيناه في كأس العالم هو نفسه الوجه الذي نراه في سياسات الهيمنة والاستعلاء في كل مكان.