تاريخ النشر: 2023-12-05 | 16:57
تاريخ النشر: 2023-12-05 | 16:57
نعرف أن وعد بلفور الذي صدر في الثاني من شهر نوفمبر 1917 بتأمين مأوى لليهود في فلسطين، صدر قبل إحتلال بريطانيا لكامل فلسطين، أما المناطق التي كانت تحتلها بريطانيا في فلسطيني آنذاك منطقتين، بئر السبع في أول أكتوبر من العام 1917 وغزة بعد حرب (ثلاث معارك) طويلة إمتدت من أبريل العام 1917 حتى أكتوبر نفس العام وبعد لإستخدام الجيش البريطاني الأسلحة الكيميائية.
يجمع المؤرخون أن الأرستقراطية البريطانية، ومن ضمنها اللورد بلفور، كانوا يكرهون اليهود في عموم القارة الأوروبية، ليس فقط لإنتمائهم الديني، كره اليهود متوارث منذ العصور الوسطى نظرا لإمتهانهم الربا، بالتأكيد، المستفيدون من الربا، معظمهم من الإقطاعيين و الأرستقراطيين. الثورة الصناعية في أوروبا أدت لصراع وجودي بين الأرستقرااطية، طبقة خاملة فطرية، إعتمدت على السرقة ونهب خيرات البلاد التي كانت تسيطر عليها الإمبرالطوريات في أوروبا، من جهة، وطبقة جديدة ديناميكية صناعية وجدت النخبة اليهودية الأوروبية مكانا لها في داخل طبقة أصحاب الصناعات، خاصة صناعة الأسلحة، من جهة أخرى، هذا الصراع كان أحد أسباب نشوب الحرب العالمية الأولى.
ليس سرا أن الملك إدوارد الثامن، ملك بريطانيا في العام 1936، أقام علاقات صداقة حميمة مع الحزب النازي الألماني بعد وصول هذا الأخير للحكم في العام 1933.
إذن لماذا وعد بلفور "بمنح ما لا يملك لمن لا يستحق"؟؟
هتلر في كتابه، كفاحي، ذكر: "ضعف الجيش الألماني في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى 1918 كان سببه إثارة الفوضى في داخل ألمانيا، عدم توافق الأحزاب السياسية والأكثر من ذلك إضرابات عمال مصانع الأسلحة، في ألمانيا، أثر ذلك سلبيا على قدرات الجيش". مع ذلك صمد الجيش الألماني في مواقعه المتقدمة وكان يحتل بلجيكا عند توقيع إتفاقية الهدنة في أكتوبر عام 1918، إتفاقية إعتبرتها القوى المتحالفة نصرا لها.
هتلر يضيف في كتابه: "العناصر التي أثارت الخلافات داخل الأحزاب السياسية كان جلها من اليهود الصهاينة كما أن النقابات العمالية التي دعت للإضرابات، معظم قيادتها صهاينة يهود".
من هنا يمكن أن نستنتج لماذا وعد بلفور "بمنح ما لا يملك لمن لا يستحق".
بالطبع إستغل روتشلد وعد بلفور لإستمالة اليهود الفقراء في في دول شرق أوروبا (روسيا، بولندا، رومانيا) للهجرة والإستيطان في فلسطينن، روتشلد كان يُعتبر الممول الأساسي لإقامة المستوطنات في فلسطين منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، إلا أن حماسة قد تلاشى في بداية القرن العشرين، نظرا لعدم رغبة يهود أوروبا في الهجرة لفلسطين، لأنهم كانوا يعرفون أن لا مستقبل لهم في تلك البلاد، لذلك فضلوا الهجرة للعالم الجديد، لكن بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، والوعد الوهمي الذي كان يلوح به روتشلد أعاد موضوع الهجرة لفلسطين، في بعض الحالات المؤثقة إستخدمت الحركة الصهيونية في أوروبا سياسية الترهيب، بالتعاون مع الحكومات القائمة آنذاك، ضد يهود الغيتوهات لإجبارهم على الهجرة لفلسطين.
من المعروف أن البريطانيين أبدعوا ويبدعون في حياكة المؤامرات والخديعة وخيانة الأصدقاء. في بداية العام 1917 كان متوقع إنهيار الجيش الروسي الحليف لبريطانيا وفرنسا، الإنهيار الكامل حدث في ابريل نفس العام، لذلك خططت آلة الخديعة البريطانية بإستخدام الحركة الصهيونية واليهود لضرب الجبهة الداخلية الألمانية، البريطانيون يعرفون أن النخبة اليهودية في أوروبا الغربية، بما فيها ألمانيا، كانت تسيطر على كثير من الصناعات، خاصة صناعة الأسلحة، بريطانيا أرادت إستمالة يهود ألمانيا والنمسا، بوعد وهمي، لإحداث الفوضى الإقتصادية داخل أوطانهم، فأصدرت وعد بلفور المعروف، ووجهته بالأسم لروتشلد وليس لرئيس الحركة الصهيونية، الحكومة البريطانية كانت تعرف أن هذا الأخير كان له علاقات واسعة داخل الحركة الصهيونية الأوروبية وعلاقات مع النخبة الصناعية اليهودية في أوروبا.
بالفعل بدأت القلاقل العمالية والسياسية في ألمانيا في بداية العام 1918 وأشهرها تمرد البحارة ورفضهم الأوامر العسكرية في أكتوبر عام 1918.
الخلافات السياسية جائت بحزب الأحرار والحزب الديمقراطي الإجتماعي لإدراة البلاد للحد من تمرد شعبي عام، لذلك فضلت الحكومة أنذاك التوقيع على إتفاقية الهدنة بين دول المحور ودول التحالف.
قائد الجيش الألماني إعتبر ما قام به السياسيين آنذاك "طعنة في الخلف" للجيش الألماني.
إنتهت الحرب العالمية الثانية وتنصلت بريطانيا من وعودها وخانت حلفائها في الحرب، خانت الشريف حسين الذي وعدته بإقامة الدولة العربية الكبرى، وخانت الهند التي وعدتها بمنحها الإستقلال بعد أن شارك حوالي 1,4 مليون جندي هندى في الحرب العالمية الأولى لجانب بريطانيا.
أما خيانتهم لليهود، بالتخلي عن وعد بلفور، فقد كانت عبر إصدار الحكومة البريطانية للكتاب الأبيض في مايو عام 1939، نتيجة الثورة الفلسطينية التي تحولت لحرب بين الثوار الفلسطينيين وقوات الإحتلال البريطانية في كامل فلسطين، الكتاب الأبيض, الذي إعتبرته الصهيونية يوم أسود في تاريخها، نص على قيام مأى لليهود داخل فلسطين المستقلة، على أن يتم منح فلسطين الإستقلال الكامل في غضون 10 سنوات أي في العام 1948، وتحديد هجرة اليهود لفلسطين في الأعوام الخمسة الأولى بعدد 75.000 يهودي فقط.
الحركات الإرهابية الصهيونية في فلسطين، التي كانت حليفة الإحتلال البريطاني بالأمس ضد الثوار الفلسطينيين، رفضت الكتاب الأبيض وبدأت حرب ضد الجيش البريطاني في فلسطين.
في آخر ليلة من لقاء يالطا، وجه تشرشل سؤال "ماذا نفعل بالمشكلة اليهودية في أوروبا"؟ كانت إجابة ستالين سريعة "أنتم وعدتوهم بوطن قومي في فلسطين، أوفوا بوعدكم لهم".
روزفلت الذي إلتقى بعد يالطا بالملك عبد العزيز بن سعود على ظهر المدمرة ليبرتي في خليج السويس، لقاء أثار حفيظة تشرشل آنذاك، طمأن الأخير، الذي أعرب عن قلقه بنية الحلفاء إقامة وطن قومي لليهودي في فلسطين، بأن موضوع الوطن القومي سيكون قابل للنقاش ولن يكون كما تريده الأوساط الصهيونية الأوروبية. تشرشل، نظرا للعلاقات القائمة مع الدول العربية النفطية، كان متحفظا لفكرة قيام وطن قومي لليهود في فلسطين.
مات روزفيلت وجاء خلفا له ترومان، الصهيوني حتى النخاع، وبالتعاون مع الإتحاد السوفيتي إستطاع تمرير قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بريطانيا إمتنعت عن التصويت، أما مندوب الإتحاد السوفيتي فصوت وبحرارة لصالح القرار، اكثر من ذلك مدح الحركة الصهيونية ووصفها بحركة تحرر وطني لليهود.
في حرب فلسطين عام 1948، حسب إعتراف بن غوريون "لولا الأسلحة التي مدنا بها الأتحاد السوفيتي لما قامت قائمة لدولة إسرائيل في فلسطي"، نضيف، الإتحاد السوفيتي لم يكتف بتزويد الصهينة بالاسلاح، بل أرسل متطوعين للقتال لجانب الحركات الصهيونية الإرهابية في قتالها ضد الشعب الفلسطيني ولإنجاز التطهير العرقي في فلسطين.
وها نحن في نوفمبر العام 2023 والصراع مازال مستمرا بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية العالمية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.