تاريخ النشر: 2026-02-26 | 11:07
تاريخ النشر: 2026-02-26 | 11:07
ثمة فرقٌ كبير بين أن تأتي الدعوة إلى المصالحة قبل الكارثة… وأن تأتي بعدها، محمّلةً بركام البيوت ووجع الناس وذاكرةٍ مثقلةٍ بالخسارات.
ولهذا تحديدًا، فإن أي خطابٍ وحدوي يصدر اليوم — مهما كان مصدره — لا يجوز التعامل معه بخفة أو سخرية أو تصفية حسابات، بل ينبغي التقاطه والبناء عليه، لأن لحظة الانقسام لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى خطرٍ وجودي يهدد ما تبقى من القضية.
من هذه الزاوية، أقول بوضوح: ما ورد في مقال الأستاذ إبراهيم المدهون يستحق الدعم والتعزيز، لا لأنه صادر عن جهةٍ بعينها، بل لأنه يتقاطع مع مصلحةٍ وطنيةٍ عليا باتت واضحة لكل ذي عينين.
لكن — وهنا النقطة المفصلية التي لا يجوز القفز عنها —
إن اختزال المصالحة في بعدها التنظيمي بين حركة حماس وحركة فتح لم يعد كافيًا، بل قد يكون وهمًا خطيرًا.
فالخصومة لم تعد محصورة بين القيادات والفصائل، بل تمددت عميقًا داخل المجتمع، حتى وصلت إلى شريحة واسعة من جمهور غزة نفسه.
وهذا واقعٌ لا يمكن تجاهله أو الالتفاف عليه بلغةٍ سياسيةٍ عامة أو بشعاراتٍ وحدويةٍ تقليدية.
إن احترام هذه الحقيقة هو الشرط الأول لأي مصالحة حقيقية.
فالناس التي دفعت الثمن الأكبر، وتحملت سنواتٍ من القهر والحصار والانقسام، لا يمكن مطالبتها بطيّ الصفحة بقرارٍ فوقي أو ببيانٍ سياسي، دون معالجة جراحها، والاعتراف بمعاناتها، وإعادة بناء الثقة معها.
والأخطر من تجاهل هذا البعد الشعبي، أنه قد يرتدّ على الجميع بلا استثناء؛ فالغضب حين يُهمَل لا يبقى موجّهًا لطرفٍ واحد، بل قد يتحول إلى نقمةٍ عامة على مجمل النظام السياسي بكل مكوّناته.
لهذا فإن الطريق إلى المصالحة اليوم لا يمر فقط عبر طاولة القيادات، بل عبر بوابةٍ أوسع وأصعب:
بوابة المصالحة مع الناس أولًا.
نعم، نحن مع التقاط أي فرصةٍ جديدة، ومع دعم أي خطابٍ وحدوي، ومع تشجيع أي تحولٍ سياسيٍ نحو الشراكة الوطنية.
لكننا في الوقت نفسه نؤمن أن المصالحة التي لا تُبنى على مصارحةٍ حقيقية مع الجماهير، واحترامٍ عميقٍ لمشاعرها ومواقفها، لن تكون إلا هدنةً هشة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
الوحدة اليوم ضرورة…
لكن شرطها الأول أن تبدأ من المجتمع، لا أن تتوقف عند الفصائل.