بين اليرموك وغزة بعداً مكانياً قلصت مسافاته المتباعدة المعاناة المشتركة ووحدة الهدف والمصير, وكلتا البقعتين صغيرتين مساحة الا انهما كبيرتين بفعلهم وتأثيرهم وصمودهم وعلى الدوام عبر اليرموك عن حبه لفلسطين وورث ابناءه حُبها وترسيخ حُلم العودة لبساتينها وبياراتها وسهولها و جبالها مع احترامنا للدولة المضيفة الا ان الوطن يشتم لاجئو المخيم عَبقه من تلال دمشق يومياً, وحال غزة لا يختلف كثيراً هي الأخرى تُعاني وترزح تحت وطأة اجراءات احتلال قمعية وتعرضت لحروب مدمرة سُفكت فيها الدماء و انتشر فيها الموت في كل ناحية كما يَحدث في اليرموك مع اختلاف الفاعل الا ان قواسم القتل وادواته ونتائجه وتداعياته واحدة , وحالة النزوح الجديدة التي تعرض لها الشريط الحدودي لغزة خلال 51 يوماً من القصف المركز والنزوح الجماعي الى عمق المدن والاقامة في مخيمات ايواء تنعدم فيها مقومات الحياة اعادت الى الذاكرة صور الهجرة والتشرد الكبير على وقع ارتكاب المجازر الدموية التي نفذتها المجموعات اليهودية المتطرفة ابان احتلال فلسطين عام 1948م وهي المأساة ذاتها يعانيها لاجئو اليرموك مرة اخري وكأن سيناريو القتل و العذاب والتشتيت للفلسطيني مستمر لن ينتهي ..!
اليرموك له رمزية تاريخية ووطنية ومحطة من محطات الوصول الي فلسطين و العودة ويمثل بكينونته مصدر انبعاث من جديد رغماً عن كل محاولات الطمس والاذابة وشطب حلم العودة من عقول اهله الا انه رفض كل ما من شأنه ان يُجرد النفس من عشقها المتجدد لفلسطين الارض والهوية ودفع لأجل ذلك من دمه وعرضه ضريبة قاسية فرضتها سطوة المتحاربين على تخوم المخيم ولم يكتفوا عند هذا الحد وتحت ذرائع وروايات عديدة دخلوا للمخيم ونقلوا معهم قتالهم اللعين , ولم يتبقى زقاق الا واصيب في مقتل وانتشرت اشلاء الابرياء من ابناءه وبقيت بِرك الدماء شاهدة على استباحة الدم الفلسطيني, وعلى الدوام نأي المخيم بنفسه وحَرص علي تجنيب المخيم ويلات احتراب بين قوات النظام السوري المتمركزة بالقرب من المخيم وتطاله حِرابهم وبَنادقهم من جهة وبين مجموعات تقاتله مختلطة الفكر والرؤيا من جهة اخري بعدما بقي المخيم يشهد هدوئاً نسبياً اختفي مع البدايات الأولي لحصار المخيم وتعرضه للاستهداف المباشر بالقذائف الصاروخية والبراميل المتفجرة بعدما بدأت مأساة اليرموك تطفو للسطح وتأخذ مساحة فى اخبار الازمة السورية منذ عامين متتالين بقي علي هذا الحال الي أن أطبق حصار جائر فرضه المتقاتلون شَل مناحي الحياة تأثرت معها اوضاع اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين السوريين من سكان المخيم تحول الي جحيم متجدد لانهاية قريبة له في المستقبل المنظور, وما يحدث يعكس واقع صعب يعيشه اليرموك ويختزل الواقع العربي و الاقليمي و الدولي الغائبين الحاضرين في حضرة اجتماعات تُفتح فيها المزادات وسباق المنح و القروض المشروطة وقضاء اوقاتاً ممتعة بصحبه اصحاب الجلالة و السمو والعودة من حيث طار كُل منهم مع بقاء نزيف الدم العربي منهمراً دون أي حلول سوي قرارات لا تنفذ .
اليرموك وجع فلسطين وواحد من 8 مخيمات لجوء فلسطينية يقيم فيه العدد الاكبر من اللاجئين هو ابنها الغائب المُرتحل المُتَرجل المقاوم المحزون الحَالم الوطني الذي غاب عن اطهر بقاع الارض ولو كان يعلم ما سيحل به بعد 67عاً من الرحيل الكبير حتماً كان سيفضل الموت علي ارضه دون ان يغادرها الى المجهول لكنه لم يكن يعلم ان مصيره المحتوم سينتهي بمحطة توقف طال فيها الانتظار وتعقدت معها الحياة ولم يترك له الاقتتال اللعين وامتهان سفك دماء الابرياء مجالاً للبقاء في المخيم النازف ويرحل قاطنوه فرارا من جحيم لا يطاق في رحلة عذاب محفوفة بالمخاطر لا تُحمد عقباها بحثاً عن الأمن في غابة البنادق , ويستوقفني مشهد زهرة فلسطينية من ابناء اليرموك لم يتجاوز عمرها اعوام 4 تجوب عُيونها علي مدي البصر تقف متأملة للدمار المهول الذي خلفه القتال في داخل المخيم , وكلمات خرجت من فاه أحد سكان اليرموك تعكس مرارة وقد بدا الاسي والوجوم والضنك علي تجاعيد وجه المتعب متسائلاً: اين الجامعة العربية ؟ واين العالم الظالم ..؟ واين دعاة الحرية و العدالة فى عالم ممتد لن يُعير اهتماماً لنا لطالما انه بعيد والامر لا يخصه ويبدو اننا في وضع متردي يَستسهل فيه اصحاب المروءة غض البصر وصم الأذن عما يتعرض له اليرموك كغيره من بقاع سوريا بنت الشام , والعراق و اليمن وليبيا, وفقط الدخول فى احلاف عسكرية مشتركة تلبي حاجة البلدان المشاركة فيه وفق ما تمليه المصالح ومنطلقات السياسة وكأن ما يحدث فى اليرموك لا يعنى لهم شيئاً وتأتى الاجابة علي ذاك المستغيث المتأمل خيرا و المتفائل بأن كلماته المحبوسة فى حلقه وصراخات
الاطفال وعويل النسوة يُمكنها أن تحرك ضمائر قادة العرب الغائبة في زحام معادلات الضرب و التقسيم وحساب مخرجات معادلاتهم , بالنسبة لهم اليرموك وأهله لا يُمثل حدثاً مهماً ولا يستدعي اصدار امرا "لعاصفة الحزم" المقاتلة لنجدة المستضعفين و المنكوبين في اليرموك واغاثتهم وتجنيب من لازال يقيم فيه سفك الدماء , والحفاظ على ما تبقي منه من التدمير والحيلولة من تفريغه كواحد من اكبر تجمعات اللجوء والشتات خارج فلسطين المحتلة وما يحمله من رمزية ومكانة لبقعة جغرافية بقيت شاهدة على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ القضية الفلسطينية وثورتها المعاصرة ويُدفن بين حبات رملها مئات من قادة الشعب الفلسطيني وكوادر فصائله المقاتلة ومنسبيها ممن قضوا وعيونهم تتجه نحو فلسطين الارض والهوية بعدما رحلوا عنها عنوة , وهذا يستدعي وقفة جادة من الكل الفلسطيني والعربي للوقوف فى وجه محاولات تصفية الوجود الفلسطيني على الاراضي السورية بعدما تعرضت كل المخيمات الفلسطينية للقتل والتدمير و التهجير معظمهم غادر الى داخل العاصمة دمشق و يُقيم في مدارسها وحدائقها ومساجدها فى ظروف انسانية كارثية تستمر مع من غادر الى مناطق اكثر امناً واستقر فى مخيمات جديدة جنوباً مع حدود الاردن وشمالاً مع تركيا ولبنان يتقاسمون الهم مع السوريين انفسهم , وهناك قلة قليلة ممن حالفهم الحظ لتمكنوا من اجتياز حواجز الموت وكمائن الرعب الى الخارج.
ما حدث فى اليرموك اثلج صدر دولة الاحتلال و قدم هدية مجانية لها بعد معركة خاسرة في احياءه نتج عنها تفريغ اكبر التجمعات الفلسطينية من سكانه وتغير ملامحه ولطالما مثل المخيم مصدر قلق و ازعاج دائمين لها, وأمل مستمر بإصرار يطالب بحق العودة الى فلسطين ولأجل تحقيق صمود من بقي على انقاضه هناك استحقاق وطني علي عاتق كل القوي الفلسطينية الفاعلة تتفق على اسس العمل المشترك و التوافق على اليات واجراءات عملية تُفضي الى حماية الوجود الفلسطيني فى سوريا و عدم السماح بتصفيته و التأكيد والاصرار الدائمين على حق العودة لكل فلسطيني غادر ارض الاجداد وقطع الطريق امام كل محاولات الاستفادة مما حدث فى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى سوريا لصالح وأد حق العودة بل العمل لجعله واقع حتمي وحق مشروع لا يسقط ولا يموت بين كل من اليرموك وصيدا وصور فى لبنان مرورا بمخيمات فلسطين بمخيمات عسكر والدهيشة وعايدة وصولا للجنوب حيث جباليا و الشابورة كلها مواطن للجوء تحمل الهم الواحد والامل الواحد وتفرح وتغضب لما اصاب اليرموك والحال نفسه و الشعور ذاته مع كل اماكن تواجد الشعب الفلسطيني فى داخل فلسطين وخارجها ليصبح اليرموك وجع فلسطين وحزنها واملها فى العودة.