تاريخ النشر: 2017-03-08 | 10:35
تاريخ النشر: 2017-03-08 | 10:35
أمد/ غزة – خاص : لا كلماتٌ تصعد جبل اللغة الشاهق فيهنّ ، بل هي إملاءات واثبة في محاولات ممكنة ، لعل بساتين البوح تصدح ببعض ما فيهن ، فالملأ المكتظ بالشجون ، يبدأ مسراته منهنّ ، ومنهنّ الدخان الأبيض يتصاعد من كنائس الحياة ، ومنهنّ نداءات الصلوات تسيج أسوار المساجد العالية من مأذن النور في حارات الصمود والثبات ، هنّ المقدسيات .
ولا صيامٌ في شهر واحد ينضبط على أوتار جوعهن ، بل إصرار منهنّ على أن الحياة صبر ساعة ، لطالما عزيزهن خلف قضبان العز والشموخ ، ينتظرن منه رسالة أو عبور متعّجل لمسح العيون شوق براري الحنين ، فلا هنّ عاجزات عود لينكسر ، ولا هنّ غير منبع أمل يتسع في صدور المنتظرين ، ولأنهنّ السمو الصادق كان منهنّ ثبات النور في عتمات السجون ، فلاح فيهن الفداء نبيلاً ، يقاس بالوطن كله ، لا سهلٌ ولا وادي ولا ضحى ولا ليل ، إلا وذكرهنّ في ملأ يردد اسماءهن على شاطيء البحر، ويحمل عنهن حصى الأشواق في قيعان الزمن ، وحارسهن نوارس لا تضيم ملهوف ، هنّ الغزاويات.
ولا حاجزٌ يترك لهن الوقت كما يشئن ، وسلال التين في عروة الصبح المغبّر بمسير طويل نحو الجدار الخشن ، محمولةً على أكتافهن ، ولا ضباب الحجارة المرصوصة على ضفاف الترب ، في ممرات التعب غير كراسي لهنّ ، يملأن للأحياء حيوات ترضهن ، ويسكبن في قلوبهن عرق التضحية ، ومنهنّ الناسجات والزارعات و الصانعات والمبدعات ، وحاملات الهمّ الأكبر في عروق الوصب ،المعلمات وسائر المسافرات عبر بوابة القمع بين المدن المتعبة ، المسورة بجبال راسخات تعلمنّ منها إن البقاء كرامة ، والوجود هامة عالية ، والحياة بعز لبّ الحكاية ، هن الضفويات.
ولا حجرٌ لطائر في سمائهن ، المحلقات رغم أنف السحاب ، وبراكين الغضب من حولهن ، المُلمّات بوعي تعايشهن مع من كتب عليهن الحياة في جواره ، وهو المحتّل الغاصب المشكوك في إنسانيته ، ولكنهنّ الواثقات من فنون العيش كفلسطينيات الأجداد ، لم تحركهن ريح ، ولم تعصف بهن رحلة المعذبين ، هنّ الثابت في محار الوطن ، في قراه وخلف جباله وفوقها ، وفي سهوله وعلى زناره ، المتاخمات لشفرة التحدي ، لهن ملامحهن الأولى ، ولغتهن الأصيلة ، وزعتر التاريخ منقوشاً على كفوفهن ، لا شيء يتغير فيهن ، لأنهن حارسات الأمل الكبير ، هن الباقيات هناك في الجليل والناصرة ويافا وحيفا واللد والرملة وفي كل شبر من فلسطين ، هنّ المنصورات.
لا وردٌ يصل إليهنّ ، ولكنها الأمنيات في عودتهن الى البساتين ، رغم البرد الكثيف السميك الموحش في ظلمات المنافي ، صامدات خلف الحدود ، من وراء البحار ، ينتظرن في مخيمات العسرة ، ومدن الضباب البعيدة ، يحتمين بالأمل ، ويرسمن على شفاه من لهن الفرح على أثوابهن ، ولا يركنّ ليأس يصيب الشامخات من الرواسي بعد ملل ، بل هنّ الصابرات امتداداً في الشتات لجذور أصيلة في المنتظر ، وهن الواعدات بزغاريد العودة ، لأترابهن المتلهفات لنثر الأرز فوق رؤوسهن ، هنّ المكافحات والقابضات على جمر الهوية ، في الريح العاتية ، وجرف عميقة وساحقة ، ثباتهن واحد فوق تراب الدار الاولى ، رغم حنو أقدامهن على تراب الغرباء ، هنّ النشيد العالي ، والوجع الموجع ، وهنّ رأس الكلام وسهم لقوس يكره المنافي ، هنّ اللاجئات.
ومنهنّ السوط والصوت ، والنور والنار ، والاصرار والوتر ، ومنهنّ نربي الغد على سفوح الرجاء ، ومنهنّ نكابر في الجرح ، ونحترم الحياة تحدٍ ، ونعشق السنابل ليسعد الغناء ، ومنهنّ نبقى على ثغر وعلى عهد ، وعلى رمح لا يخطيء البوصلة ، ومنهنّ البداية ، ولا مسير بدونهنّ ولا خواتيم لمسرات ، ولا زغاريد لانتصارات ، ولا سواعد لرايات ، هنّ المناضلات الصادقات ، فيهن شرف الشهداء ومنهنّ بشائر التنور ، المسكون بحراسة الحنّون لبيت لا يمسح دمع الغياب على من ابتعدوا ولم يتركوه وحيداً من أجل قصيدة لم تنته بعد .
ولأنهنّ الفلسطينيات يستحقنّ فتح الكلام على شرفات النشيد.
من (أمد للإعلام) كل عام وأنتن بخير في يوم المرأة العالمي.
كتبها : ناصر عطاالله