تاريخ النشر: 2022-12-17 | 19:15
تاريخ النشر: 2022-12-17 | 19:15
نابلس- صافيناز اللوح: معاركٌ عنيفة شهدتها حارة الياسمينة بالبلدة القديمة لمدينة نابلس، كتبت أسماء فدائيون جدد، سطروا ملامح بطولية في تاريخ النضال والكفاح الفلسطيني، من الشيشاني والدخيل والمبسلط، إلى العزيزي وصبح، ومن ثم النابلسي وصبوح، ويسير على طريقهم الكيلاني والكوني، ويودعهم على الأكتاف ليلحق بركبهم قائد عرين الأسود الشهيد وديع الحوح.
أسرار تكشف لأول مرة، على لسان أحد الفدائيين في مدينة نابلس، وماذا جرى بين الحارات الضيقة، وما الذي شهدته حارة الياسمينة وبلدتها القديمة، وكيف دارت الاشتباكات، ومن هم الذين غدروا بعرين الأسود وسرقوا مقدراته؟!، هذا كله سنتحدث به في هذا التحقيق عبر "أمد للإعلام" في الجزء الأول.
البداية من معركة "سيف القدس" التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية على العدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة عام 2021، ومن ثم حدث نفق الحرية الذي كتب اسم 6 من الأسرى في سجل الفدائيون رغم أنف السجان، وبمعلقة صغيرة وضعوا فيها هيبة الجيش الذي لا يقهر في حفرة صرف صحي، هذان الحدثان، حركا مشاعر الفدائيون الجدد في مخيم جنين، ليكون جميل العموري أول رصاص الثائرين في وجه الاحتلال، مخرجاً الضفة الغربية من فترة الضياع، إلى واقع مرير على الجيش الإسرائيلي، بمقاومة سجلت سطوراً جديدة ومختلفة في سجل النضال الفلسطيني.
الشهيد أبو أيمن السعدي وفدائي آخر "نعتذر عن ذكر اسمه"، برفقة جميل العموري اجتمعوا على قرار عسكري بأن ترى كتيبة جنين النور، موجهةً سلاح بنادقها إلى المحتل الإسرائيلي فقط، وفي أولى اشتباكات الكتيبة المظفرة، نادى الفدائيون على جبل النار لتسندهم، فأين نابلس وكيف نشأت عرين الأسود، من هنا سنبدأ الحكاية!.
جميل العموري يطلق الشرارة الأولى ..
نادى جميل العموري على شباب نابلس، وطلب منهم اللحاق بكتيبة جنين والحذو على طريقهم، فمن لبى نداءه هم: الأسير عبود الشاهين والشهداء إبراهيم النابلسي ومحمد الدخيل وأدهم مبروكة "الشيشاني"، وكانوا متواجدين عناصر في مكتب فتح بمدينة نابلس.
أحد فدائي عرين الأسود نرفض الكشف عن اسمه للحفاظ على حياته، تحدث مع "أمد للإعلام"، أنّ الأربعة الذين لبوا النداء قاموا بأول عملية إطلاق نار تجاه جيش الاحتلال والمستوطنين الذين اقتحموا قبر يوسف وقتلوا جندي وأصيب آخر في منتصف عام 2021، وبحسب تقديرات جيش الاحتلال أن المنفذ هو محمد الدخيل.
ويقول الفدائي، إنّ الأسير عبود الشاهين، قام بمساندة "النابلسي. الشيشاني والدخيل" وحمايتهم وفتح صفحة عبر برنامج "tik tok"، وبدأ مساعدتهم مالياً أيضاً، لذلك أصبح مطلوباً معهم لجيش الاحتلال، وحاول الجيش اعتقاله قبل الاعتقال الأخير مرتين، الأولى استشهد فيها الشاب جميل الكيالي أمام بوابة البلدة القديمة والثانية لم يفلح الاحتلال باعتقاله.
ويكمل الفدائي لـ"أمد"، أنّ "الدخيل والشيشاني" تتواجد منازلهم داخل البلدة القديمة فيما يسكن النابلسي بمنطقة كروم عاشور الملاصق للبلدة، أمّا عبود الشاهين يتواجد منزله في منطقة المخفية بنابلس.
في 15/نوفمبر لعام 2021، بعملية خاصة لجيش الاحتلال في شارع عصيرة، اعتقل عبد الحكيم شاهين، الذي احتوى الفدائيين الثلاثة، وتم اطلاق النار عليه وأصيب بقدمه بعد محاولته اطلاق النار على القوة المقتحمة.
تفاصيل اغتيال الدخيل والشيشاني والمبسلط..
بعد شهرين تقريباً، استطاع جيش الاحتلال إدخال الجواسيس بين الفدائيين في مخيم جنين والبلدة القديمة بنابلس، وفي فبراير لعام 2022، تمكن العملاء من كشف موقع الدخيل والشيشاني ولاحقتهم قوة خاصة من وحدة "اليمام" دخلت نابلس متخفية في سيارة أجرة تحمل لوحة فلسطينية وسيارة أخرى مدنية، حيثُ فتحت بكثافة على سيارة، قرب مقر الاستخبارات الفلسطينية في منطقة المخفية، واغتالت كلاً من: الشهيد أدهم مبروكة والشهيد محمد الدخيل، والشهيد أشرف المبسلط، وفي حينها كانت المعلومات التي وصلت جيش الاحتلال أن إبراهيم النابلسي يرافق الدخيل والشيشاني ولكن لم يفلحوا آنذاك، فالمرافق هو الشهيد المبسلط.
اغتيال الأبطال الثلاثة، شكل حالة منفردة بعدها في نابلس، وخاصة أنّها وقعت في وضح النهار ولشباب غيروا نمط الحياة بالمدينة إلى وجهة مقارعة المحتل.
وأكمل الفدائي لـ"أمد"، بعد جنازة الشهداء الثلاثة، التفت نابلس حول النابلسي، وتشكلت حاضنة شعبية فريدة من نوعها آنذاك، ليتم مساندته وحراسته من كافة أطياف المجتمع بالبلدة القديمة، وبالوقت ذاته استطاع مصعب اشتية الذي يسكن بقرية سالم الانضمام للنابلسي ودعم الشباب بالمال والسلاح ونادى على أبو صالح "محمد العزيزي" لينضم إليهم.
العزيزي الذي يبلغ من العمر 22 عاماً، له خبرة كبيرة في السلاح بحسب ما تحدث به الفدائي لـ"أمد"، انتقل لمرحلة جديدة في حياته، ليكون المؤسس الأول لمجموعة عرين الأسود برفقة الشهيد عبود صبح.
في منتصف مارس تقريباً، قُتل أحد جنود الاحتلال بعملية إطلاق نار قرب البلدة القديمة، وبعد أيام من تحقيقات جيش الاحتلال ومتابعته لكاميرات المراقبة التي أظهرت الشهيد محمد العزيزي منفذاً لهذه العملية آنذاك، اتصل جيش الاحتلال به وطالبه بتسليم نفسه لكنه رفض رفضاً قاطعاً وقال لهم "واحد صفر تعالوا إنته لعندي".
وفي ذلك الوقت، جهز العزيزي منزله بعد الاتصال الأول من تهديد مخابرات الاحتلال، حيثُ قام بتحصين منزله المكون من 3 طوابق في حارة الياسمينة بالبلدة القديمة، ليصبح في تلك الفترة كلاً من: "محمود البنا، "ف.أش"، عبود صبح، محمد العزيزي، إبراهيم النابلسي، "م.س" مصعب اشتية"، من أخطر المطلوبين لجيش الاحتلال في مدينة نابلس وبلدتها القديمة.
وبعد أيام اقتحمت قوات الاحتلال البلدة القديمة وحارة الياسمينة، واشتبك هؤلاء المطلوبين برفقة عدد من المسلحين منهم من عرف اسمه عبر الاعلام وآخرين كثر حصل "أمد للإعلام" على أسماء عدد منهم لكنه يتحفظ عليها لحمايتهم من غدر جيش الاحتلال.
اغتيال الأبطال العزيزي وصبح..
وبحسب الفدائي الذي كشف تفاصيل مثيرة لـ"أمد للإعلام"، عن مجموعة عرين الأسود، مضيفاً: إنّ موقع منزل العزيزي مميز لذلك كان قلعة للفدائيين، وهو عسكري فطن، ولديه خبرة كبيرة في السلاح، وكان يعلم تماما بُعد التهديدات الكبيرة التي تعرض لها، وحينها طلب من عناصر العرين، في حال استشهاده التواصل مع وديع الحوح، وسيقوم بحمايتهم جميعاً دون استثناء، وطلب منهم البحث عنه واللقاء به، دون أن تفاصيل أخرى، وأطلق عن أنفسهم العرين، ولكن دون إظهار الاسم إلى العلن.
ازداد عدد الفدائيون المطلوبين لجيش الاحتلال، بعد الربع الأول من عام 2022، بانضمام (م.ي، وع.ع، وأ.ب، وأ.خ)، وحوالي 15 مسلحاً آخرين لم يظهر أسماءهم حتى اليوم، ففي يوليو لعام 2022، خاض العزيزي ورفاقه اشتباكاً عنيفاً لأول مرة في مدينة نابلس منذ عام 2002، سميّ بمعركة "حارة الياسمينة"، ففي الساعة الواحدة والنصف من فجر الرابع والعشرين من هذا الشهر، اقتحمت قوة خاصة من جيش الاحتلال البلدة القديمة، وحاصروا منزل الشهيد أبو صالح بوقت تواجد فيه عدد كبير من المسلحين، وبينهم المطاردين الـ(9) النابلسي والبنا والعزيزي وصبح ومحمد طبنجة، والآخرين.
ويضيف الفدائي حديثه عبر "أمد"، في تلك اللحظة نفذ العزيزي وعداً مسبقاً للمسلحين، أنه في حال حاصر جيش الاحتلال منزله سيقوم بإخراجهم جميعاً للحفاظ على أرواحهم، ويبقى وحده مشتبكاً مع الجيش، وبالفعل قام ابو صالح بالاتصال على وديع الحوح، وقال له "أنا محاصر وعندي مطاردين بدي أهربهم بأي طريقة، اعمل تمويه وغطي علينا واشتبك مع القوة الخاصة"، فلم يتردد الحوح عن ذلك ولبى النداء، وقام برفقة صديقه المسلح الشهيد محمد حرز الله، واشتبكوا مع جيش الاحتلال بأسلحتهم البسيطة، ومن منطقة جامع الحنبلي اشتبك وديع وأبو حمدي مع القوة الإسرائيلية الخاصة، فأصيب حينها حرز الله برصاصة في الرأس، واتصل وديع على العزيزي وطلب منه مساندة من شبابه ليتم نقل الشهيد أبو حمدي إلى سيارات الاسعاف المتواجدة قرب البلدة القديمة.
(ف.أ) أحد المطلوبين الذي كان له بصمة أيضاً في معركة الياسمينة، اقترب من نقطة الصفر واشتبك مع جيش الاحتلال وقوته الخاصة، وأصاب عدد من جنوده، وقام بالتغطية على وديع لينقل الشهيد حرز الله إلى الإسعاف الذي أعلن آنذاك عن استشهاده في نابلس ولكن عندما وصل إلى المستشفى عاد له النبض وبقى حرز الله طريح فراش المستشفى لأكثر من 4 أشهر وتم إعلان استشهاده في نوفمبر الماضي.
وبذلك استطاع وديع مساندة العزيزي ونجحا بإخراج كافة المسلحين والمطلوبين وعائلته من المنزل، إلا شخصاً واحداً لم يراه العزيزي فصعد إلى سطح المنزل رافضاً ترك رفيقه بالسلاح وهو عبود صبح الذي تفاجأ به العزيزي وهو يشتبك مع جيش الاحتلال من أعلى المبنى.
عبود صبح 29 عاماً من ممتلكي المال في نابلس، شاب مقبل على الزواج، أحب فتاة وتقدم لخطبتها وطلب يدها من أبيها وكتب كتابه عليها، لكنه حاول التراجع بعد دخوله في طريق المقاومة، وأرسل لخطيبته رسالة بأنه سيتركها تعيش حياتها لأنه اختار طريق الشهادة، فرفضت آنذاك خطيبته هذا القرار وطلبت منه الاستمرار وقبلت بكل ما سيحدث له وبالطريق التي سار بها، استطاع عبود وهو الصديق المقرب للعزيزي أن يلهي رفيقه أبو صالح الذي هرّب المسلحين المتواجدين في المنزل، وصعد إلى سطح البيت، واشتبك مع القوة الخاصة وجيش الاحتلال الذي تواجد في محيط المنطقة، ولكن كانت قناصة جيش الاحتلال أسرع فأطلقت النار بشكلٍ مباشر على رأسه ليسقط شهيداً على الفور، وبعدها تنقل العزيزي عبر أسطح المنازل وهو يشتبك مع جيش الاحتلال، حتى تم اغتياله برصاص القناص المتواجد فوق المنازل القريبة من منزله وفي صدره بعد 5 ساعات من اشتباكهم، هكذا تحدث الفدائي لـ"أمد".
يتحدث الفدائي لـ"أمد"، الساعة الخامسة والنصف فجراً، جاءنا اتصال أن جميع الشباب بخير ونفذوا من الاغتيال، عدا الشهيد أبو صالح العزيزي وكنا نعتقد أنه اعتقل فقط، وحينما وصلنا المنزل شاهدنا دمار هائل قد لحق به، وبدأنا بالنداء على أبو صالح، ولم يرد أحد علينا حينها صعدنا إلى سطح المنزل ووجدنا الشهيد عبود صبح ملقى على الأرض ورأسه مشوهة نتيجة رصاص القناص.
"عاري الجسد ووضع هويته وقبعته على صدره"، هكذا وجد الشهيد عبود صبح بحسب ما قاله الفدائي لـ"أمد"، فقمنا بحمله ونزلنا به إلى سيارة الإسعاف، فيما عثر على الشهيد العزيزي على بعد 3 منازل، وحينها ظهر النابلسي وأمسكت به وحملت سلاحه كان ساخناً جداً نتيجة اشتباكه مع جيش الاحتلال، ونفذ من الاغتيال مرة أخرى.
النابلسي الذي خرج وسط مئات من الناس، وبفرحة كبيرة على بقاءه حياً، بقي الشاهد الأول برفقة مطلوبين آخرين على جرائم جيش الاحتلال، ليصبح أكثر شراسةً على محتله ومستوطنيه، وكان ذلك واضحاً في الفيديوهات التي خرجت بجنازة العزيزي حيثُ حمل رفيق دربه أبو صالح على كتفه قائلا: "مع السلامة أبو صالح.. نيالك عند الله نيالك".
ظهور وديع الحوح.. وعرين الأسود إلى العلن..
بعد اغتيال العزيزي، نفذ النابلسي ومسلحي نابلس وصية العزيزي، وبحثوا عن وديع الحوح حتى نجح بعضهم والتقوا به قبل جنازة ابو صالح.
ويقول الفدائي في حديثه الخاص والحصري مع "أمد"، بعد الجنازة وانتهاء العزاء التقى وديع بالمسلحين وأخبرهم عن اطلاق اسم عرين الأسود عليهم، بحسب توصية أبو صالح.
في بداية الأمر لم يستطيع كلاً من النابلسي ومحمد طبنجة ومصعب اشتية الوصول إلى وديع الحوح، وباقي المسلحين والملثمين والمطاردين وصلوا بالفعل إليه، مثل (م.ب و م.ش وت.خ، وم.س، وع.ع، وع والشهيدان تامر الكيلاني وسائد الكوني) وآخرين، ليحتضنهم وديع الحوح في منزله الذي يمتلكه بالبلدة القديمة بعدما كان ينوي الزواج به وهو أعلى شقة في حوش العطعوط بحارة الياسمينة.
وبعد أيام استطاع مصعب اشتية الوصول إلى وديع الحوح، ومد اشتية الحوح بالمال والسلاح ومول عرين الأسود بالكامل، كما وصل النابلسي للحوح وحينها لم يكن جيش الاحتلال يعرف وديع بعد.
فعل وديع كما فعل العزيزي رفيق دربه، وقام بتحصين منزله بالكامل، وأغلق أسطح المنازل المجاورة له بالشوادر، منعاً من تصوير طائرات الاستطلاع منزله، وركب كاميرات مراقبة بمحيطه ولغمه بالعبوات الناسفة والمتفجرات بدقة عالية، وجهز الشباب بشكل كبير وسلّمهم سلاح وأحضر مجموعة شبابية تقوم برصد ومتابعة نابلس ومداخلها، ومعرفة تحركات جيش الاحتلال وكشف القوات الخاصة التي ستدخل للبلدة القديمة، ومراقبة مداخلها وحارة الياسمينة، وبرواتب منه.
وبسبب الحاضنة الشعبية في نابلس أعلن رسمياً عن اسم "عرين الأسود"، وبدأ الحوح التخطيط لتنفيذ عمليات ضد جيش الاحتلال والمستوطنين، وبالفعل نفذت المجموعة عمليات بطولية أسقطت قتلى وجرحى في صفوف جيش العدو.
في ساعات فجر يوم التاسع من أغسطس لعام 2022، جاءت معلومات لمجموعة عرين الأسود، عن تواجد قوات خاصة داخل نابلس وبلدتها القديمة، فاجتمع قادة العرين "الذين تفرقوا بالمكان فقط بعد اغتيال العزيزي"، بمنزل الشهيد الحوح، وقرروا النزول لحماية البلدة القديمة وأعلنوا حالة الطوارئ وأغلقت كافة مداخل البلدة وحارة الياسمينة، وبقى الفدائيون يرابطون على أطراف حارتهم واقتحم جيش الاحتلال نابلس آنذاك، ولكن بتمويه غادر دخل مخيم عسكر البعيد عن البلدة القديمة حوالي 40 دقيقة، فاعتقل شاب وانسحب منه الساعة الـ5 فجراً، وحتى بزوغ النهار، طلب منه المسلحين عودة كل شخص لمكانه بعد أن تأكدوا بعدم وجود لقوات خاصة في نابلس، ولكن العملاء المتغلغلين في العرين وللأسف كان لهم بصمة كبيرة في عمليات الاغتيال لقادته العظام الذين سجلوا تاريخ بطولي جديد في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
انتظرونا في الجزء الثاني .. تفاصيل مثيرة حول وديع الحوح وسرق مقدرات عرين الأسود.