تاريخ النشر: 2022-03-10 | 11:55
تاريخ النشر: 2022-03-10 | 11:55
كانت لعبة أمريكا الأخيرة تتطلب لاعبين من طراز خاص وطاقم حكم متمرس في الحروب الاقتصادية والاستراتيجية، وهذا مالم يتوفر في طاقم بايدن المركب بطريقة افتعالية حاولت الاجابة على تحدي ترمب ونمطه فكان تكوينها تلفيقي اكثر منه ابداعي، ومن هنا كانت نقطة التحول التاريخي في العلاقات الدولية ورسم الخرائط السياسية وتحديد مناطق النفوذ حيث ان سوء التقدير في الدول والامبراطوريات الكبرى يستدعي نتائج خطيرة على مستوى العالم.. فبعد الانسحاب المهين من أفغانستان الذي جاء بعد فضيحة كبرى في العراق وصمت العسكرية الامريكية بصفات الجرائم ضد حقوق الانسان.. هاهي الخطوة الحاسمة في مواجهة روسيا والصين ودول إقليمية وازنة في اسيا وكل هذا وحلفاء أمريكا يتراجعون خطوات عن السير في طريق مصالحها الخاصة.. فأي مستقبل تسفر عنه حرب انابيب الغاز؟؟ هنا لابد من قراءة للمواقف وقراءة لما خلف المعلن منها لعلنا نصل الى رسم معالم المشهد الحالي و خريطة طريقه نحو مستقبل سيكون له خصائص أخرى ومحددات أخرى.
سير الاحداث وحقيقة الاهداف:
ما يمكن ملاحظته على الموقف الدولي تجاه خطوات أمريكا نحو روسيا في ازمة ما اشتهر بأوكرانيا يمكن ترتيبه الى مرحلتين مرحلة ما قبل المعارك في أوكرانيا والأخر بعد أسبوعين من الحرب وسلسلة المواقف والإجراءات الامريكية ضد الروس من مقاطعات الى عقوبات الى قرارات اممية واجتماعات لمجلس الامن..
انطلقت دول العالم كلها نحو مبدأ سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها وكان الحشد الأمريكي هائلا والتجاوب معه واسعا وبنسب مختلفة ففي حين اتخذت بريطانيا وبعض الدول الاوربية مواقف تحريضية على التصدي للروس حيث بلغ الخطاب الأمريكي والبريطاني درجة عالية في إشاعة جو الحرب وهنا لابد من ملاحظة ان بريطانيا في حل من أي نتائج عن قطع الغاز الروسي حيث ان استيرادها منه محدود جدا.. ورغم ما حاولته المانيا وفرنسا وإيطاليا حيث المتضررين الرئيسين في حال تم إيقاف تدفق الغاز الروسي الا ان المناخ العام في اوربا كان مشاركا لحملة التهويل الرهيبة ضد روسيا والتحذير بل والتهديد وكان لأمريكا صوت عال من خلال وزراء الخارجية والدفاع والناطق الرسمي للخارجية والرئاسة والبنتاغون ان أمريكا ستدافع عن سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها وستعوض الغاز الروسي.. وهنا كانت نقطة الفشل والسقوط..
كان الاعلام الروسي هزيلا وضعيفا جدا ولم يكن بمقدوره شرح روايته وظل مقتصرا على تصريحات وزير الخارجية او خطابات بوتين التي تخلو من اعلام وتخلو أحيانا من سياسة لكن يكثر فيها التاريخ والمبادئ القومية.. في مواجهة أدوات إعلامية فائقة الخطورة اشتركت فيها اوربا وكثير من الدول العربية.. حاولت تقديم رواية وصنع مناخ يدفع الى شيطنة روسيا وافقادها عناصر المبادرة لدرجة ان رئيس اوكرانيا امتعض من تلك الموجة الحادة في الخطاب الغربي وطالب الساسة والإعلاميين الغربيين بالتوقف عن إشاعة أجواء الحرب لان ذلك من شانه احباط الناس وتعطيل المصالح في أوكرانيا..
أعلنت أمريكا سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها وهذا يعني حسب التفسير الأمريكي ان لأوكرانيا الحق ان تستدعي القوات الامريكية والترسانة العسكرية الامريكية النووية الى اتخاذ مواقع فيها كما ان لأوكرانيا الحق ان تصبح جزءا من الناتو والاطلسي والاتحاد الأوربي وان أمريكا ستدافع بكل قوة عن سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها اذا ما تعرضت الى غزة روسي.. وان أمريكا ستقوم بتعويض اوربا عن غاز الروس من مصادر عديدة وبذلك يتم توجيه ضربة قاضية للاقتصاد الروسي ومن تم للعسكرية الروسية واستمرار الضغط على روسيا لتفكيكها الى عرقياتها المتنوعة.
يبدو ان القيادة الروسية ادركت انها لن تستطيع مجاراة الاعلام الغربي فنهجت الى الاعلام الصامت او اعلام المواقف لتبديد اشاعات الاعلام الغربي.. حددت مطالبها ان لا ناتو في أوكرانيا ولا سلاح نووي فيها ولا قواعد عسكرية أمريكية.. وطالبت الامريكان بكلام مكتوب يضمن لهم ذلك لكن الامريكان لم يكونوا في وارد هذا الامر بل هم يتحركون حسب خطة لمحاصرة روسية وتفكيكها بعد ان تكون روسيا قد حققت مكتسبات كبيرة في اكثر من مكان واستعادت الى حد كبير مكانة السوفييت في موقع الحرب الباردة بين قطبي الصراع الكوني.. كانت مراوغة أمريكا لكي تجر الروس للكمين الذي من شأنه توحيد اوربا خلف أمريكا في حربها والذي سيكون قطع الغاز الروسي ابرز ملامحه فتحقق أمريكا بذلك عدة اهداف استراتيجية أولها توفير الفرصة لبيع الغاز الصخري الأمريكي عالي التكلفة، ثانيا: اغراق روسيا في حرب استنزاف في مواجهة اوربا وسلاحها وثرواتها، ثالثا: محاصرة روسيا وافقادها السيولة المالية والاحتياط الاجنبي لاسيما بعد المقاطعات البنكية ونظام سوفت العالمي.
لقد كان الخطأ الكبير والأساس الذي ارتكبته الإدارة الامريكية في هذه القضية عدم توفير استخلاصات تقدير الموقف بدقة حول الخصم وقدراته وقراراته والنقاط الحرجة معه، وعدم القدرة على تقييم علمي لإمكانات التعويض عن الغاز الروسي في حال قطعه، وعدم الوضوح في التعامل مع الملف الاوكراني حيث ستصبح هزيمة أوكرانيا امام الروس -وهذا امر وارد جدا- انما هي في الحقيقة هزيمة للأمريكان وسياستهم.. كل هذا بعد هزمتين كبيرتين اولاها في العراق وأخراها في أفغانستان.
افتراقات الموقف الدولي:
لم يجد القرار الروسي باقتحام الجيش الروسي لاوكرانيا أي ترحيب من دول العالم بل سارعت غالبية دول العالم الى الإدانة.. لكن سريعا ما بدت الامور تتكشف عندما اخذت أمريكا في تصعيد العقوبات لتطال كل شيء في روسيا من الغاز والنفط الى شتى القطاعات وسارت كثير من دول اوربا في هذا الاتجاه فاغلقت اجواءها امام الطيران الروسي وذهب بعضها الى الحديث عن الاستغناء عن الغاز الروسي.. لكن الاحداث لم تمهل العالم كثيرا فسريعا بدات اوربا تشعر انها المتضرر الأكبر والمباشر وان أمريكا لا تستطيع الوفاء بتعهدها لتعويض النقص.. وهنا بدأت دول اوربية تجنح الى خطاب مختلف كايطاليا وفرنسا وألمانيا التي تعتمد على الغاز الروسي وهي في حالة اعتماد متطورة لاستغناء عن الفحم الحجري.. وما محاولات التوسط في أوكرانيا الا إشارة عن مصلحة اوربية في اخذ موقع الوسط بين أمريكا وروسيا في حين اكتشفت حكومة كييف انها وقعت في الفخ الأمريكي الغربي وقد علا صوت رئيسها بشعوره بالخذلان من قبل الغرب وانه لم يتلق سوى التأييد اللفظي الامر الذي يقترب به من التنازلات الاستراتيجية التي تطالب بها موسكو بخصوص حياد كييف عن الخطة الامريكية وهنا يجب الالتفات الى ان اوربا أعلنت انها لن تشارك في حرب أوكرانيا ولن تزودها بجيوش وانها لن تقوم بفرض حظر جوي على مناطق معينة من أوكرانيا وانها لن تسمح بتمدد الحرب لمواقع أخرى.. وتتوالى تصريحات قادة اوربا بضرورة التوسط والعمل الدبلوماسي..
اما على صعيد دول العالم الأخرى فان الموقف الباكستاني كان قويا في رفض المطلب الغربي بإدانة روسيا وكان الرئيس عمر خان قد رفع إشارة حمراء امام الاتحاد الأوربي مستهجنا ماقدمه من طلب لباكستان بضرورة الوقوف في مواجهة الروس ومن المعروف ان لباكستان علاقات اقتصادية كبيرة مع الصين وعلاقات متميزة مع موسكو، وقدمت ايران موقفا متميزا لصالح موسكو في رفض المقاطعات بل اتجهت الى تعزيز الشراكة الاقتصادية، وكان الموقف التركي المتميز في هذا كله ففي حين لازالت تركيا تؤيد سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها ورغم وجودها في الناتو الا انها رفضت المقاطعات على موسكو وفتحت كل المجالات التجارية معها واعلن البلدان انهما سيستخدمان العملات المحلية في الاتجار بينهما الامر الذي يعني توجيه ضربة قاصمة للدولار الأمريكي..
الملفت في المواقف من الازمة هو موقف مصر والسعودية والامارات.. فرغم تاييد مصر لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الا ان توضيحات الخارجية المصرية كانت قوية وصريحة بان مصر ترفض الانسياق في حرب المقاطعات على روسيا وأعلنت عن عدم اغلاقها لممر قانة السويس امام السفن الروسية.. اما موقف السعودية في الأوبك فكان له اثر بالغ في افشال السيناريوا الأمريكي بخصوص الإنتاج..
أمريكا لا يسرها على المدى البعيد ان يكون هناك خطوط جديدة من الجزائر او ايران او اذربيجان او قطر تمد اوربا بالغاز فهي ان قبلت بذلك مؤقتا ففقط لكي تخنق الاقتصاد الروسي ولكنها تسعى الى سوق حقيقي لغازها المكلف وللسيطرة على سوق المحروقات بشكل عام.. وستعمل على إيجاد عقبات امام أي منافسة محتملة لها.
تأثيرات حرب الانابيب:
لم تأت هذه الحرب الخطيرة الا كلعبة شطرنج تحتاج من التركيز والمباغثة والحسابات ما يجعل تحريك بيدق واحد من بيادق اللعبة إيذانا بخسارات استراتيجية.. جاءت هذه الحرب في ظل انهيار اقتصادي امريكي رهيب وديون باهضة تتراكب فوق بعضها و سوق العمل الضيق، والتضخم المرتفع بعناد، والتراجع السريع عن التحفيز الاقتصادي، وكان السبب الرئيس في ذلك كله تلك الحروب على أفغانستان والعراق التي كلفت الخزينة الامريكية اكثر من 8 تريليون دولار فضلا عن تأثيراتها الفاعلة في المعنويات والنفوذ على الأرض.
تخسر أمريكا ثقة حلفائها لاسيما في اوربا عندما تجعل مصالحهم في توفير الغاز عرضة لمخططات فقط لصالح الاقتصاد الأمريكي.. ولكن اوربا ستعيش مرحلة ارهاق وتوجس جراء فترة التنازع مع روسيا التي تبحث بدأب عن مجالات تسويق غازها سواء في الصين او سواها.. وتخسر امريكا طاعة الأنظمة العربية ولو جزئيا التي تعيش الذل تحت هيمنة السطوة الامريكية وقراراتها وتعيش الابتزاز المشين من قبل زعماء شركات الاقتصاد الأمريكي تحت غطاء الحماية
وقد أظهرت الاحداث التاريخية ان موسكو اكثر التزاما بوعودها مع حلفائها ومثال العلاقة مع النظام السوري جلية واضحة.. ولكنها ستجد امامها عالم عربي واسلامي من الضرورة ان تحسن صياغة العلاقة معه لانه يتقاسم معها ظروفا واقعية وجغرافيا متقاربة ويتداخل معها في تكوين المجتمع الروسي نفسه حيث تبلغ نسبة المسلمين في روسيا مايقارب 20 بالمائة.. وتخسر أمريكا عندما تدفع دول أساسية الى جعل عملاتها المحلية بديلا عن الدولار، الامر الذي سيفقد أمريكا أداة ضغط وسيطرة على اقتصاديات العالم.. وتخسر أمريكا بدفعها كثير من الدول الى التحالف مع موسكو لتوفير ملاذ امن من الغطرسة الامريكية.
الملفت للانتباه ان هناك تأثير واضح على المزاج العام في الكيان الصهيوني ليس فقط ما يتم تناوله عما يجري بين المهاجرين اليهود من دول اوربا الشرقية وروسيا.. ولقد ذهب بعض الكتاب اليهود –جدعون ليفي مثلا- الى القول ان الكيان الصهيوني سيسقط بضربة واحدة..
الكيان الصهيوني الممزق والمشتت يشعر بالذعر وهو يراقب الانهيار في أوكرانيا وتخلي الغرب عنها وان ما يقوله الامريكان لا يؤخذ على محمل الجد بل على محمل المناورة والادعاءات.. فيما نشهد تقدما صينيا روسيا اقتصاديا وعسكريا فائق الخطورة في تحالف مع كثير من الدول العربية وان الموقف الحقيقي لروسيا والصين لا يتنازل عن تفكيك الاحتلال والاستيطان من الضفة الغربية والقدس.
هذا الانكسار الأمريكي -فيما لو احسن الروس مواصلة المعركة بدقة- سيقود الى نتائج وخيمة على السياسات الأمريكية في مكان وسيجد العرب ان فرصة ثمينة لاحت في الأفق وهذا يحتاج علاقات تأخذ جانب الشراكة بعين الاعتبار مع روسيا والصين وعلاقات طبية وعلاقات تكاملية مع تركيا وباكستان وايران هذه الدول الثلاث التي أصبحت دولا إقليمية قوية لديها بنية تحتية صناعية واعتماد على الذات في مجالات عديدة..