يحتفل الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وكل أحرار العالم يحتفلون باليوبيل الذهبي لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح " .. خمسون عاما مضت على انطلاقة هذه الحركة التاريخية والتي جسدت علامة فارقة من خلال هذه الانطلاقة ماقبل تفجير الثورة الفلسطينية المعاصرة كان العالم اجمع ينظر إلى الفلسطينيين في إطار كونهم تجمعات سكانية هنا وهناك تحتاج إلى المساعدات والمعونات الإنسانية والحياتية ليس أكثر وما بعد الانطلاقة المباركة وتجسيد مرحلة الكفاح المسلح ضد المحتلين الصهاينة تغيرت توجهات الرأي العام الدولي الذي بدأ يعترف مع مرور الأيام أن قضية الشعب الفلسطيني هي قضية سياسية بامتياز وأنها تفترض تمكين هذا الشعب من ممارسة حقه في تقرير مصيره واستقلاله فوق أرضه المحتلة وتصفية كاملة للاحتلال الذي يعتبر اليوم هو الاحتلال الأكثر عنصرية وغطرسة والذي لا يضاهيه أي احتلال أخر عرفته البشرية.
إن حركة فتح بانطلاقتها التاريخية في الفاتح من يناير عام 1965 شكلت ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني وأرست أركان المشروع الوطني التحرري وما يؤكد ذلك هو كون حركة فتح هي الفصيل السياسي الوحيد الذي يجسد اسمه " حركة التحرير الوطني " ومصطلح الوطني لم يأت في برنامج أي من الفصائل السياسية ومن هنا فإن هذه الحركة وبكل موضوعية وبعيدا عن أي مبالغة في القول هي صاحبة وأم المشروع الوطني الفلسطيني وستظل وفية لهذا المشروع حتى يأتي أوكله ويجسد الهوية الوطنية في التحرر والاستقلال وتصفية آخر استعمار في العصر الحديث .
تأتي ذكرى الانطلاقة هذا العام وكل الأحرار والمناضلين ومحبي السلام في العالم يتطلعوا بإعجاب وانبهار إلى مدى صمود واستمرارية هذه الحركة في العطاء ومواصلة المشوار على الرغم من كل هذه التحديات الكبيرة التي تعترض الطريق من هنا فإن حركة فتح وهي تحيى اليوم ذكراها ال50 تقف أمام جملة من التحديات التي يجب مواجهتها والتعامل معها بكل نجاح ونسجل هنا الأتي :
أولا : في هذه الأثناء ثمة معركة سياسية ودبلوماسية شرسة وأكثر تعقيدا من كافة المعارك الأخرى حيث نسير في تجاه انتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي ومن المنظمات الدولية كافة يؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني في رسم حدود دولته الوشيكة وهي حدود الرابع من حزيران عام 67 وحق هذا الشعب في بناء دولته كاملة السيادة في إطار هذه الحدود وفي هذا السياق فإن القيادة السياسية الفلسطينية وبتوجيهات الرئيس أبو مازن تطرق كل أبواب العالم و تحشد كل المقومات التي تدفع نحو انجاز هذا الهدف بعد أن وصلت المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي إلى طريق مسدود جراء تعنت وتهرب حكومة الائتلاف الديني اليميني العنصري بزعامة نتنياهو من كافة متطلبات عملية السلام .
القيادة الفلسطينية تواصل الإسرار على مواصلة هذا الجهد السياسي والدبلوماسي على صعيد المنظومة الدولية بكافة تخصصاتها متحدية بذلك كل ممارسات الضغط والتهديد بفرض العقوبات وهذا على أرضية أن ساعة الخلاص من الاحتلال قد حانت بعد هذا الليل الطويل ....القيادة السياسية الفلسطينية تتحرك اليوم في إطار هذه المعركة السياسية وفقا لإستراتجية واضحة المعالم فإن لم تتمكن من انتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي برسم حدود دولة فلسطين جراء الفيتو الأمريكي المتوقع فإن الخطوة التي تلي ذلك تحددها هذه الإستراتيجية بالانطلاق نحو طرق باب المنظمات الدولية والالتحاق بها ونيل عضويتها وبخاصة محكمة الجنايات الدولية والتي من خلالها يمكن جلب مجرمي الحرب الصهاينة الذين ارتكبوا أبشع المجازر بحق أبناء شعبنا إلى المحاكم الدولية للاقتصاص منهم كمجرمي حرب .
ثانيا : تأجيج وتفعيل وسائل الانتفاضة الشعبية السلمية الحضارية على خطوط التماس مع الجدران وكتل الاستيطان التي أقامها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية ومواصلة الضغط لدفع دول العالم ومحبي السلام لمساندة الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه العادلة من خلال تصفية الاستيطان وتفكيك الجدران العنصرية في الضفة الغربية الاعتراف بحدود دولة فلسطين .... في إطار هذه الانتفاضة الشعبية العارمة ودع شعبنا قبل أيام رمز وبطل هذه الانتفاضة الشهيد القائد زياد أبو عين الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يعانق تراب الأرض الطيبة وكانت أخر كلماته وهو يصرخ في وجه المحتل : " إن وجودكم هنا غير شرعي ويجب أن ترحلوا " .
ثالثا : مواصلة الجهد السياسي والدبلوماسي المكثف على الصعيد الدولي وبخاصة على الصعيد الأوروبي لحصاد المزيد من اعتراف البرلمانات والمؤسسات التشريعية في بلدان أوروبا بدولة فلسطين ، ذلك أن هذه الاعترافات من جانب هذه المؤسسات ذات أهمية كبيرة وتشكل الخطوة الأولى التي سيليها بكل تأكيد اعتراف الحكومات الأوروبية بدولة فلسطين تماما كما فعلت دولة السويد الصديق وكذا ممارسة المزيد من العزلة لحكومة نتنياهو الفاشية على الصعيد الدولي .
رابعا : إن حركة فتح قوية ومتماسكة ومنضبطة الصفوف وتفتقر الى الثغرات الداخلية هو أمر مهم وحيوي وضروري لتماسك وصلابة المشروع الوطني بكامله وانتصاره في نهاية المطاف .... في هذا السياق فإننا نؤكد ونتطلع ونبدي الحرص الكامل على ضرورة صلابة ومتانة وقوة الحركة في تجاوز كل الاستفهامات الداخلية طبقا للأنظمة واللوائح الداخلية للحركة .
خامسا : إن حركة فتح كونها وبكل موضوعية تمثل صمام الأمان للمشروع الوطني الفلسطيني واستمراريته حتى الظفر بالحرية والاستقلال معنية بضرورة مواصلة كل الجهود الممكنة للتخلص من تداعيات آفة الانقسام الأسود الذي مزق وحدة الوطن السياسية والجغرافية وضرورة القفز فوق هذا الواقع الأخطر على الإطلاق وكذا العمل على استعادة وحدة الوطن على كافة الصعد وهذا مطلب ضروري وحيوي على طريق احترام العالم ودعمه لحقوقنا العادلة
سادسا : إن إعادة إعمار قطاع غزة وإعادة بناء مادمره الاحتلال في عدوانه الهمجي الأخير الذي أتى على كل معالم الحضارة والعمران في غزة إضافة إلى تشريد الآلاف من أبناء شعبنا داخل الوطن وتشريد البعض الآخر إلى ما وراء الحدود ومن ثم ركوب البحر وسقوطهم شهداء وتحول جثثهم إلى طعام لحيتان البحر وهم في طريقهم إلى المجهول بحثا عن لقمة العيش .... إن مسألة إعادة اعمار غزة هي قضية حياتية ملحة تفرض نفسها بالدرجة الأولى – بغض النظر عن كل السياسات الخاطئة التي أدت إلى بروز هذا الواقع – على القيادة السياسية الفلسطينية وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة العمل للوصول إلى وضعية ملائمة تتوفر فيها المقومات الحقيقية التي تقود إلى تدفق مواد البناء عبر منافذ ومعابر القطاع و القفز عن كل المناكفات الغير مسؤولة التي تنطلق من هنا وهناك .
الكاتب والمحلل السياسي