تاريخ النشر: 2017-05-31 | 21:53
تاريخ النشر: 2017-05-31 | 21:53
قبل عام ونصف تقريباً تم دعوتي للمشاركة بورقة عمل في مؤتمر حوار الأديان الذي عقد في العاصمة القطرية الجميلة والمضيافة الدوحة. هناك التقيت بالعديد من المفكرين ورجال الدولة الذين يبحثون عن فكرة التلاقي بين الثقافات والأديان المختلفة ، وذلك لحماية الأجيال القادمة من مخاطر الصراع والتصادم، وكان موضوع ورقتي في حينه هو " ممارسات استخدام وسائل الإعلام الإلكترونية والاجتماعية في زعزعة الأمن الفكري" .
هذه الورقة حظيت باهتمام وتغطية وسائل الإعلام المحلية والدولية ومؤسسات الدولة والعديد من ممثلي السلك الدبلوماسي في دولة قطر، مما جعلني أدرك أهمية هذا الموضوع وتحدياته أكثر بالنسبة للعالم بشكل عام.
هذا الأمر جعلني ابحث بجدية في هذا الموضوع كون أنني أتمتع بمرجعية مهنية دبلوماسية إلى جانب أنني أتمتع بمهارات إعلامية بحدها الأدني باتت تمنحني القدرة على القراءة والتحليل قبل الدخول بعمق في شئ لا فائدة منه ، فوجدت أن أهمية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الإيجابية لا تقل شأناً عن مساوئ استخدامها، سواء في مجال التواصل الأسري أو العمل الثقافي أو المهني أو التسويق أو التجارة أو البيزنس أو تبادل الخبرات وتنميتها في مختلف الميادين، لا بل باتت تمثل الركيزة الأكثر أهمية وتفاعلاً كوسائل أساسية في نقل الأحداث الخاصة والعامة فور حدوثها .
هذا يشير إلى حقيقة مهمة وهي أنه أصبح لممارسة استخدام المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً وفاعلاً إما في تعزيز أو زعزعة الأمن الفكري لدى الفئات المجتمعية وما ينعكس عليهم من إيجابيات أو سلبيات وتعريضهم لمخاطر ابتزاز الإرهاب أو التغرير بهم واستقطابهم نحو الأفكار المغلوطة والهدامة أو الإبداع الفكري والمهني في مختلف المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية.
من هنا نجد أن هناك إمكانية لتعزيز استثمار وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها في توعية فئة القلب النابض للمجتمعات وهم الشباب من مخاطر الأفكار المنحرفة التي تهدف إلى زعزعة الأمن الفكري لديهم، ومن ثم تلاشي انعكاسها على المجتمعات التي ينتمون إليها، وبالتالي المساهمة في عملية البناء المجتمعي التي ينجم عنها رخاء وازدهار للدولة بدلاً من السقوط في وحل الهدم والتطرف الذي يهدف إلى هدم الدول ومؤسساتها.
هنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يمكن غض البصر عن أن بعض الممارسات في المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي تعد إحدى أشهر وسائل التغرير وأكثرها تأثيرا لتمرير المعلومات والأفكار المشبوهة بهدف الإسقاط الأمني والإيقاع بالضحية في مستنقعات الإرهاب، لكن هذا لا يعني بأنه لا يوجد هناك ممارسات إبداعية تجعلها وسيلة أكثر فعالية من غيرها في حماية الأمن الفكري إن تم استخدامها بإيجابية اتجاه تنمية الفكر والتوعية والمعرفة.
لذلك وجدت من خلال الخبرة والاحتكاك مع فئات المجتمعات المختلفة ومع أصحاب الثقافات المتعددة والديانات الأخرى ، بأنه لابد من إعادة النظر في كيفية التوعية الفكرية اتجاه ممارسات جميع المراحل العمرية المختلفة، وذلك تماشياً مع التقدم التكنولوجي وحجم الهجمة الفكرية الشرسة التي تهدف إلى الغزو الفكري للإنسان وحرفه عن الاستخدام الإيجابي لهذه الوسائل.
من هنا ، لابد من معرفة كيفية الاستخدام الآمن لشبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية وذلك من خلال الانفتاح على المشاكل الناشئة من وراء استخدام هذه الوسائل ومواجهتها بشجاعة لإيجاد حلول خلاقة لها ، والعمل على تنمية التفكير الناقد لدى جميع الفئات العمرية بمختلف تقسيماتها الإنسانية ، ليتمكنوا من فلترة ما يعرض عليهم من أفكار وأراء متطرفة حتى يستطيعوا تأمين أنفسهم من الانسياق وراء الدعوات الهدامة أو الوقوع ضحايا الإسقاطات الأمنية التي تضر باستقرار وأمن المجتمع الذي هم يمثلون نواته.
كما أنه لابد من رفع مستوى التفكير لدى الفرد وتعميم ذلك على المجتمع حتى يتمتع الجميع بالقدرة على تحليل المواقف والسير بالطريق الآمن عند استخدام هذه الوسائل كوقاية من أي تحديات فكرية متطرفة أو غزو فكري يهدف إلى تشتيت الفكر الطبيعي وانحراف بوصلة الاهتمام لدى الإنسان بما لا يمكنه من تحصين نفسه وفكره من الأهداف الخبيثة المترتبة على هدف وغاية الغزو الفكري.
كما أنه لابد من إعادة تقييم صحيحة لعملية الانفتاح الفكري أمام حقيقة المخاطر المحيطة الناجمة عن تلقي المعلومة من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة، وخاصة الأتية من الفكر التكفيري الذي يعمل على تعميق الكراهية والأحقاد بين مختلف الثقافات.
أخيراً، في تقديري أن هذا سيكون دافعاً محفزاً للعمل على دراسة الدوافع والأهداف التي تقف وراء الفكر الإرهابي ومحاولة مواجهتها مبكراً ومعالجة ما يترتب عليها من فكرٍ متطرف قبل أن تتعمق وتترسخ في مفاهيم الفرد والمجتمع ، وذلك من خلال تنمية الفكر المعتدل ، وهذا يحتاج بلا أدنى شك إلى جهود الأجهزة التربوية والإعلامية الغير موجهة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي برعاية شبابية مُدَرَبَة ومؤهلة وواعية ومثقفة وواثقة ومدركة، بأنه لابد من مواجهة هذا النوع من المخاطر المتطرفة التي تهدد المجتمعات، وذلك بتكاتف الجهود والانفتاح حول أهمية فكرة الحوار الثقافي في نشر الوعي المجتمعي من خلال المعرفة الجيدة باستخدام التقنيات الحديثة وأهمية التحصين الذاتي عند استخدامها وذلك من أجل تنمية أساسيات ومرتكزات الأمن الفكري الإيجابية عبر وسائل التقنية الحديثة من خلال البرامج الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي بطريقة إبداعية محصنة وبدون تردد أو خوف..