يخطئ من يسطّح سلوك حماس وفعلها في الضفة الغربية ، فربما لحماس منهجية عملت بها سابقا ونجحت في الوصول إلى الأغلبية في المجلس التشريعي وبانتخابات حرة ونزيهة ، فحماس تحسن دراسة الواقع الفلسطيني وإن أخفقت في دراسة الواقع الإقليمي .
ولكن هذا لا يعني أن وجودها قد بدأ يخفت ويتهاوى مع المتغير الإقليمي ، فلها في الضفة أكثر ما لها في غزة ، هكذا نفهم ونستقرئ الحالة الاستراتيجية لحماس وكذلك الحالات التكتيكية .
حماس بالتأكيد لا تلعب في الضفة الغربية ، فلها بنيتها القاعدية والكادرية المنضبطة والممنهجة أيضا أمام مجموعات الطبلة والمزمار التي تقودها فتح – عباس في الضفة الغربية ، ففتح عباس في الضفة الغربية لامنهجية ولا ثقافة يقودها برنامج وطني أكثر منها هو الهتاف وإرضاء غرور محمود عباس بأنه القائد الأوحد الذي يمتلك كل مقدرات الشعب الفلسطيني ، وفي عملية اكذب ثم اكذب ثم اكذب لكي يصدق عباس أن وراءه جمهور وهناك داعمين له ، في حين أن حركة فتح في الضفة الغربية ومركزيتها أيضا لا تعدو أن تكون أسيرة لدراماتيكا محمود عباس بكل غثيانها ومؤثراتها على الواقع الوطني برمته .
ربما كان إتفاق الشاطئ قد أبرم لضرورات مرحلية لكلا الطرفين لها البعد الإقليمي والبعد الذاتي أيضا وأمام عراقيل جمة تم ترحيلها وعدم الخوض فيها مما اعتبر أن محمود عباس قد طوى حماس تحت جناحية عندما استسلمت حماس لرغبات عباس في تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي قال عنها أنها تمثل نهجه السياسي وتعترف بكل القرارات والمعاهدات المبرمة مع العدو الصهيوني .
ولقد عبر عن هذا السلوك بلقاء المالكي مع ليفني في لندن كوزير خارجية لحكومة ما يسمى الوفاق الوطني .
ولكن يبدو أن الأمور لا تسير كما رتب لها من مرحليات لكلا الطرفين ، فهناك ما هو طاريء على الساحة ، أما بمواقف إسرائيلية أو إقليمية أو ذاتية تعمل في نفس الفلك ، فعملية أسر الجنود الثلاث للعدو الصهيوني كان لها أكثر من تفسير ، فمنهم من قال أنها مسرحية إسرائيلية لتنفيذ سيناريو قادم للضفة الغربية ، فقد صرح وزير المالية الإسرائيلي مائير لبيد أن هناك ثلاث أهداف للعملية :
- القضاء على البنية التحتية لحماس
- تحرير المخطوفين – حسب تعبيره –
- إنهاء فاعلية حكومة الوفاق الوطني.
بلا شك أن وجود حماس في الضفة الغربية وفصائل المقاومة الأخرى مثل الجهاد وكتائب شهداء الأقصى يعتبر مهددا لبرنامج عباس والبرنامج الصهيوني في الضفة الغربية التي مازالت إسرائيل تعتبره وجودها التاريخي والديني فيما يسمى يهودا والسامرة ، كذلك محمود عباس الذي يعتبر وجود تلك الفصائل وأنشطتها مهددا لسلطته ونفوذه في الضفة الغربية والذي ما يلبث بين فترة وأخرى أن يبرر سلوكه السياسي والأمني المتوافق مع الأحتلال بأننا ضعفاء ولسنا قادرين على مواجهة إسرائيل ! سلوك ينفي وجوده في الثورة الفلسطيني المعاصرة ومنطلقاتها وأهدافها التي إنطلقت من أجلها وهو أحد أعضاءها المركزيين ، وهنا نضع تسائل كيف كان هذا من فريق الكفاح المسلح والثورة عندما يطعن بكل ما أتت به الثورة من أدبيات .
وتحت مغلف اختطاف ثلاثة من المستوطنين الصهاينة وتعاطف عباس شخصيا مع تلك الحملة الصهيونية في الاجتياحات ومساندته لها وسحب الأجهزة الأمنية من مواقعها مع الاحتفاظ بمهامها في ملاحقة ما يسمى الخاطفين وتبادل المعلومات مع الإحتلال ، تقوم إسرائيل وفي تناغم مع تيار عباس ومن هم من حوله في نسف أي توافق فلسطيني قادم وكما عبره عنه وزير المالية الإسرائيلية في إنهاء واستئصال البنية التحتية لحماس وباقي الفصائل الفلسطينية ، فقد قام الإحتلال بإعتقال أكثر من 300 من قادة حماس والفصائل وأعضاء في المجلس التشريعي الذي كان من المفترض أن يجتمع للتصديق على ما يسمى حكومة وفاق وطني ، ومع هذا يصرح عباس بأنه سيعاقب الخاطفين وأي جهة قامت بعملية الخطف ، وفي ظل عدم إعلان أي فصيل عن مسؤوليته عن عملية الاختطاف فبرما الاختطاف من الفصائل وربما الاختطاف بتعاون أمني بين الأجهزة الأمنية وإسرائيل لتنفيذ آخر محطات نسف حل الدولتين والوحدة الوطنية بين بقايا الوطن في الضفة وغزة وهذا ما يؤكد رغبة إسرائيل في عملية إحداث ترانسفير للنشطاء في الضفة الغربية إلى غزة أي إبقاء قطاع غزة منفردا في التصور السياسي والجغرافي القادم لحل القضية ، أما الضفة الغربية فمستقبلها واضح بناء على اطروحات بلير وكيري ومجلس الأمن القومي الصهيوني بأن تكون الضفة الغربية كنتونات بلدية وبحماية أمنية ذاتية تابعة للإحتلال مع تصور إقتصادي يرتبط بكل من الأردن وإسرائيل ، فنتوقع أن القيادة السياسية لمحمود عباس ستنتهي في الأشهر القادمة فإسرائيل في اجتياحاتها هذه تكرس الأرضية لهذا التصور في الضفة الغربية .
إذا تم إتفاق الشاطيء وبكل التعقيدات التي أجلت مرحليا ليخرج عاملا جديدا ومفاجئا لتصورات الإنسان الفلسطيني العادي في عودة لحمة بقايا الوطن في الضفة وغزة وتقع الساحة الفلسطينية تحت سيناريو آخر وجديد تنتهي فيه الآمال على الأقل خلال السنوات القادمة في إحداث انتخابات رئاسية وتشريعية ، فالواقع الميداني في الضفة الغربية وما هو مرشح لسيناريوهات قادمة من قبل الإحتلال كلاعب أساسي في أوراق الضفة الغربية السياسية والأمنية يجعل من مقول حل الدولتين أمرا مستحيلا وخاصة إسرائيل تعمل الآن لإستقطاع مساحات أخرى غير المنطقة C والتي تمثل أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية .
ويبقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس لاهيا في رغباته ونرجسياته وتتفيه طاقات حركة فتح التي كان ممكن أن تكون عاملا رئيسيا في استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية لكي تكون فقط مجرد مجموعات للطبلة والمزمار وفي ظل قرارات الإقصاء والإبعاد لقيادات حركة فتح والحرمان الوظيفي والمادي لهذه الكوادر لكي تستضعف حركة فتح في الضفة الغربية أيضا ، فهي مستهدفة في المقدمة وخلال السنوات الماضية قبل أن تستهدف حماس والجهاد والجبهة الشعبية وباقي الفصائل .