تاريخ النشر: 2016-10-31 | 09:07
تاريخ النشر: 2016-10-31 | 09:07
خطاب المبادرة التي أعلن عنها أمين عام حركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان عبد الله شلح، في المهرجان الجماهيري الحاشد في قطاع غزة بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لتأسيس الحركة واستشهاد القائد المؤسس للحركة الدكتور فتحي الشقاقي، قد أثارت عاصفة من الردود في الساحة الفلسطينية، والتي تراوحت بين التأييد والتحفظ وعدم القبول، إنّ لم نقل الرفض. وقبل الحديث في النقاط العشرة التي تكوّنت منها المبادرة، لا بدّ وبمناسبة الذكرى العزيزة أن نتوجة بالتحية الكبيرة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بمناسبة انطلاقتها الجهادية الـ 29 للحركة، وإلى روح مؤسسها الشهيد القائد فتحي الشقاقي الذي كان لاستشهاده غيلة على يد الإرهابي المقبور رابين، الأثر البالغ في إعطاء الدفع القوي لحركة الجهاد حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من مكانة نضالية وكفاحية مرموقة، احتلت بفضل تضحيات مجاهديها وقياداتها وقادتها حيّزاً واسعاً في المساحة الوطنية الفلسطينية، ولتصبح أحد الأعمدة الرئيسية في مقاومة الاحتلال.
وفي العودة إلى المبادرة ذات النقاط العشرة، ومن موقع المعني كسائر الفلسطينيين أسجل الآتي:
عكست المبادرة بمجمل نقاطها العشرة ارتياحاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية على المستوى الجماهيري، من خلفية أنّ خيارات الشعب الفلسطيني على الدوام لا تتغيّر ولا تحيد رغم المحن والشدائد، على عكس القوى والنخب التي لم تأت مواقف البعض منها مع المبادرة، وهذا أمر طبيعي لأنّ هناك على الدوام من يقدّم مصالحه والدفاع عنها كأولوية له.
في توقيتها، نعم حرّكت المياه الراكدة في الساحة الفلسطينية التي تعيش منذ ثماني سنوات انقساماً حاداً سياسياً وجغرافياً. ولا أفق في إنهائه في ظلّ التعقيدات المتراكمة في طريقها، لأسباب أصبحت معروفة ومعلومة وغير خافية على أحد. مضافاً لجملة تلك التعقيدات ما تعيشه المنطقة من حروب مزلزلة لا يعلم أحد أين ستنتهي طالما أنّ المشروع الصهيو ـ أميركي هو رأس الحربة فيها، ضدّ دول بعينها وتحديداً في سورية واليمن والعراق وليبيا وما تشهده مصر».
المبادرة وما جاءت به من مضامين سياسية ووطنية ليست ترفاً سياسياً، بل من خلفية ومسؤولية وطنية، أراد الدكتور شلح وإخوته في قيادة حركة الجهاد عدم الاكتفاء في تعليق الجرس بل في قرعه بقوة، وتحديداً في وجه السلطة ورئيسها السيد محمود عباس الذي لا يزال يتمسك بخياراته السياسية العبثية، على رغم من تصريحاته الكثيرة حول «أوسلو» وانتهاء مفاعليه بسبب سياسات الكيان «الإسرائيلي» وعدم رغبته الالتزام بمحددات تلك الاتفاقات، وبالتالي إغلاقه لأفق التسوية من خلال وضعه العراقيل في وجه استئناف المفاوضات، وفرض وقائعه الميدانية في التهويد والاستيطان والحصار والاعتقالات والإعدامات اليومية.
وضع حدّ للتصنيفات السياسية أو المصطلحات الهادفة للنيل من حركة الجهاد من خلال وصفها بالإسلام السياسي، والتأكيد على أنها حركة مقاومة وطنية فلسطينية.
أعادت رسم خارطة فلسطين إلى حدودها الطبيعية، بعد أن تنازلت اتفاقات «أوسلو» عن 78 بالمائة منها للكيان «الإسرائيلي». لتؤكد أنّ فلسطين هي ملك الشعب الفلسطيني، وهو كلّ موحد أينما تواجد في الداخل أم في الشتات والمغتربات، والدعوة الواضحة لكلّ من يعنيهم الأمر في الساحة الفلسطينية إلى عدم اختزال فلسطين في الضفة وغزة، والإقلاع عن تكريس تلك التقسيمات للشعب الفلسطيني.
حدّدت وبوضوح أنّ أزمتنا وما تتعرّض له القضية من تحديات، ليست رهناً بالانقسام بقدر ما هي نتيجة مباشرة لاتفاقات «أوسلو»، وتالياً استمرار الرهانات على خيار المفاوضات دون سواها. والمبادرة بذلك ذهبت بالمباشر إلى تحميل رئيس السلطة الذي طالبته بإلغاء اتفاق «أوسلو» من الجانب الفلسطيني، ووقف العمل به فوراً.
أن تُفرد المبادرة مطالبتها منظمة التحرير إلى المبادرة لكي تسحب اعترافها بكيان العدو الصهيوني، جاء في سياق أنّ المنظمة أولاً هي المرجعية الوطنية لكلّ المؤسسات الفلسطينية، بما فيها السلطة، وثانياً أنّ التوقيع على اتفاقات «أوسلو» جاء باسم المنظمة. فكيف ستستقيم أوضاع المنظمة وتصحيح مسارها السياسي، لكي تتمّ إعادة بنائها لتمثل عندئذ الكلّ الفلسطيني من موقع الشرعي والوحيد.
تأكيدها أنّ المرحلة النضالية لشعبنا وقضيتنا هي مرحلة تحرّر وطني، دعوة صريحة للإقلاع عن وهم أننا نمتلك دولة أو مقومات تؤسّس لدولة فلسطينية. وبالتالي مطالبة أصحاب هذا الوهم الكفّ عن التلاعب في مشاعر وأحاسيس شعبنا ودغدغتها بالطرق الديماغوجية.
وربطاً بالنقطة السابقة، هناك مطالبة واضحة لكلّ من فتح وحماس في ضرورة إنهاء كيانيهما في الضفة والقطاع، وفق صياغة جديدة لمشروع وطني يفضي إلى إنهاء برنامجين متناقضين المفاوضات والمقاومة ، لصالح هذا المشروع الذي أساسه المقاومة بكلّ أشكالها، وفي مقدّمتها المقاومة المسلحة، التي لا تتناقض وتتعارض مع أشكال المقاومات الأخرى التي يعتمدها ويسلكها شعبنا. المطلوب أيضاً أن يُصاغ برنامج من أجل تعزيز صموده فوق أرضه الفلسطينية المغتصبة، في مواجهة سياسات الإجرامية والعنصرية والإحلالية.
أصرّت على إعادة ربط القضية الوطنية للشعب الفلسطيني، بالكلّ العربي والإسلامي، على قاعدة دفع الأطراف الرسمية العربية إلى سحب المبادرة العربية التي أقرّت في قمة بيروت عام 2002، من التداول والبازار السياسي الرخيص. وبالتالي على القوى الفلسطينية وتحديداً السلطة، أن تبذل جهودها من أن تساهم بمصر بفعالية أعلى من أجل وقف الحصار على قطاع غزة.
دعوة منظمة التحرير إلى أن تمارس مسؤوليتها الوطنية في ملاحقة قادة الكيان أمام المحاكم الجنائية، من دون تلكّؤ أو تباطؤ، وعدم الاستجابة للضغوط الأميركية، والابتزاز والتهويل «الإسرائيلي»، والتحرّر منهما.
أنهت نقاطها في الدعوة إلى إطلاق حوار وطني شامل، لا يستثني أو يتجاوز أحد. والهدف محدّد وواضح هو إعادة الاعتبار لقضيتنا الوطنية، التي تمّ ويتمّ تهميشها بشكل ممنهج بسبب السياسات الخاطئة والرهانات على سياق سياسي تفاوضي لن يوصل إلى مزيدٍ من تبديد في الحقوق وإجهاض للتطلعات.
أتت قبل مسافة زمنية ليست ببعيدة من انعقاد «المؤتمر العام السابع لحركة فتح» إذا حسنت الترتيبات وانتهت على خير التي طالبتها المبادرة بتحمّل مسؤولياتها على اعتبار أنها هي حزب السلطة.
على أهميتها، بحاجة إلى آليات تنفيذ تُطلق لكي يُعمل على تطبيقها. وهذا تتيحه فقط ما دعت إليه المبادرة في إطلاق ورشة حوارات على امتداد الوطن والشتات. لأنّ ما طالبت به المبادرة ليس بسيطاً أو سهلاً أو بالأمر اليسير في ظلّ تعارض الإرادات والبرامج والرؤى في الساحة الفلسطينية.
ما قرأناه من مقالات وتعليقات وردود على المبادرة، يطرح سؤالاً كبيراً مفاده، فيما لو أنّ رئيس السلطة لم يتخذ أيّ إجراء ولم يستجب لهذه المبادرة، فما هي الخطوة التالية المطلوب إجراؤها على الساحة الفلسطينية بين الفصائل الفلسطينية؟ هل تكون كما يُقال، اللهم إني قد بلغت؟ أم أنّ حركة الجهاد ستتابع مع من يوافق على مبادرتها للعمل معها لإنجازها، وهنا بالضبط، أسمح لنفسي أن أقول وعلى ضوء التجارب السابقة أنني متشكك، ليس من توجهات حركة الجهاد وصدق نواياها الوطنية الخالصة، بل بمن سيسعى إلى تفريغ المبادرة من مضامين نقاطها العشرة.
إنّ ما يميّز المبادرة عن سابقاتها من المبادرات العديدة، هو ابتعادها عن الارتجال والحديث المكرّر، وانتقالها ودعوتها إلى صياغة استراتيجية وطنية فلسطينية، بعد أن سلكت السلطة ورئيسها كلّ دروب التفاوض المقيت مع الاحتلال وحكومة كيانه «الإسرائيلي»، من دون طائل أو مكتسبات تُذكر، سوى سلطة محطمة لا حول لها ولا قوة، باستثناء رهن أمننا واقتصادنا الوطني بالمحتلّ الغاصب.