تاريخ النشر: 2023-12-12 | 14:27
تاريخ النشر: 2023-12-12 | 14:27
لم يأت التوقيع على اتفاق أوسلو بشكل عفوي، وإنما كان هناك العديد من المقدمات والتغيرات التي حدثت على الساحات الدولية والإقليمية والمحلية من منتصف السبعينيات وحتى بداية التسعينيات من القرن الماضي، التي لعبت دورًا مهمًا في تغير مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ودفع منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الشهيد ياسر عرفات لتوقيع اتفاق أوسلو.
حيث دفعت الأحداث المحلية والإقليمية والدولية كلًا من منظمة التحرير وإسرائيل لتوقيع اتفاق أوسلو، فقد مثل الاتفاق نقطة تحول في تاريخ الصراع، ومنهج إدارته، مما أدى إلى ردود فعل مختلفة على كافة المستويات فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا.
فهناك جملة من الأحداث التي عصفت بمنظمة التحرير على مختلف الصعد أدت إلى إضعافها وإبعادها عن تصدر الموقف الرسمي الفلسطيني، مما دفعها إلى قبول التفاوض مع إسرائيل سرًا وتوقيع اتفاق أوسلو.
على الصعيد الوطني، قامت منظمة التحرير في الدورة الحادية عشرة للمجلس الوطني سنة 1974، بتأكيد رفضها لقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يطمس حقوق الشعب الفلسطيني، ويتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني كمشكلة اللاجئين، وعلى أن تناضل المنظمة بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها.
وكان الحدث الأبرز هو اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، والتي استطاعت إعادة إحياء القضية الفلسطينية على الساحة الدولية والإقليمية. واستطاعت الانتفاضة أيضًا، كونها عمل فلسطيني بامتياز، أن تفرض على الولايات المتحدة الاعتراف بمركزية البعد الفلسطيني ومنظمة التحرير كعنصر هام في اللعبة لا يمكن تجاوزه، مما دفع إدارة ريغان لتوسيع دائرة الحوار مع منظمة التحرير.
ومن أهم إفرازات الانتفاضة على المستوى الداخلي هو بروز تيار إسلامي منافس للمنظمة على ساحة المقاومة والمتمثل بحركة حماس، وانتقال مركز النضال الوطني الفلسطيني للداخل. إن ازدياد نفوذ حماس بعد اندلاع الانتفاضة كان له تأثير مباشر على القيادة الفلسطينية المقيمة في تونس، فقد خشيت القيادة من أن تسيطر حماس على الانتفاضة وأن تصبح القيادة الواقعية للشعب الفلسطيني في الداخل من خلال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وأدركت القيادة أن الوقت ليس في صالحها، وبأن الحل يكمن في تسريع عملية التفاوض والوصول إلى حل ما بأي شكل من الأشكال. مما دفع منظمة التحرير في الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1988 إلى إعلان وثيقة الاستقلال، والتي أكدت المنظمة من خلالها عزمها على الوصول لتسوية سياسية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية. وقبولها بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 اللذين نصا على إحلال السلام العربي الإسرائيلي، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها سنة 1967، وموافقتها على الحل القائم على أساس برنامج حل الدولتين. إلا أن الاتصالات الدبلوماسية بين المنظمة وإسرائيل ظلت على مستوى منخفض وانقطعت في حزيران/يونيو 1990، عندما رفض الرئيس عرفات إدانة الهجوم الذي قامت به جبهة التحرير الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير.
أما على الصعيد الإقليمي، صرح الرئيس السادات في سنة 1977 أثناء إلقاءه لكلمة في الكنيست الإسرائيلي بناءً على دعوة من رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بأنه سيفعل أي شيء لتحقيق السلام مع إسرائيل، وحتى الذهاب إلى القدس. وبعد زيارته للقدس، بدأت سلسلة من اللقاءات بين الطرفين برعاية أمريكية توصل على إثرها الطرفان إلى اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979، التي قامت على أساس إحلال السلام بين مصر وإسرائيل، وانسحاب الأخيرة التدريجي من كامل سيناء. واقترح الرئيس السادات خلال اللقاءات فكرة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة وغزة حتى لا يتهم بأنه تخلى عن الفلسطينيين بتوقيعه على اتفاق منفصل مع إسرائيل، ووافق بيغن وجيمي كارتر على الفكرة، وبناءً على الخطة كان هناك مرحلة مشاركة في سلطة انتقالية، متبوعة بمفاوضات بين إسرائيل ووفد مشترك أردني – فلسطيني على التسليم النهائي للمناطق. إلا أنه في الوقت الذي نفذ فيه الاتفاق المصري – الإسرائيلي بقي الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية عالقًا لرفض منظمة التحرير للاتفاقية.
وفي سنة 1982 شنت إسرائيل حربًا على لبنان من أجل سحق منظمة التحرير وتحطيم مجتمع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية، بناءً على اعتقاد من قادة الليكود بأن إزالة قواعد منظمة التحرير من لبنان سيجبر الفلسطينيين في الأراضي المحتلة على التوصل لاتفاق مع إسرائيل، مما أجبر عرفات ورجاله على الخروج من لبنان.
ومن ثم تلقت منظمة التحرير ضربة سياسية أخرى تمثلت في المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في أيلول/سبتمبر 1982، والتي أكدت على أن الحرب في لبنان ضد منظمة التحرير تأتي في سياق ردع الإتحاد السوفييتي وعملائه. ونصت المبادرة على أنه لا دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ولا يحق لإسرائيل ضم الأراضي المحتلة وأن تحقيق الحكم الذاتي للفلسطينيين يتم بالارتباط مع الأردن، ونصت أيضًا على التجميد المباشر لمخططات تطوير المستوطنات الإسرائيلية الجديدة في الأراضي المحتلة، وعدم تقسيم القدس على أن يتم تحديد مستقبلها عن طريق المفاوضات. وأخيرًا التزام الولايات المتحدة بحماية أمن إسرائيل، فرفضت منظمة التحرير هذا المشروع كونه يصب في صالح المحتل متجاهلًا حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في كانون الثاني/يناير 1984، طرح الملك حسين بن طلال على أعضاء المجلس إطارًا لمبادرة تقوم على أساس نوع من الوحدة الأردنية – الفلسطينية، على أساس التمسك بقرار مجلس الأمن رقم 242 باعتباره أساساً لتسوية سلمية عادلة تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام. وتبنت منظمة التحرير هذا المشروع وجرى التوقيع عليه في شباط/فبراير 1985.
لقد عكس هذا الاتفاق تحسن العلاقة بين منظمة التحرير والأردن التي شابها توتر حاد خلال فترة السبعينات، وعكس أيضًا استجابة المنظمة للضغوط الدولية التي تفضل التعامل مع القضية الفلسطينية من خلال الأردن. إلا أنه لم يكتب لهذا المشروع النجاح بسبب معارضته من قبل بعض الفصائل المنضوية تحت لواء المنظمة، مما أدى لقيام الملك حسين بإيقاف المشروع في التاسع عشر من شباط/فبراير 1986. وفي العاشر من نيسان/إبريل 1987 التقى الملك في لندن مع شمعون بيرز، واتفقا على عقد مؤتمر دولي لبحث أزمة الشرق الأوسط، وكان بيرز قد أبدى سابقًا استعداده للتفاوض معه والوصول معه لاتفاق سواءً كان لديه تفويض من منظمة التحرير أم لم يكن.
أما على الصعيد الدولي، لقد شهدت الفترة الممتدة من نهاية سنة 1988 وحتى أوائل سنة 1989 تغيرًا في موازين القوى العالمية. ففي تلك الفترة كان الاتحاد السوفييتي على وشك الانهيار وبدأت الكتلة الشرقية بالتفكك، مما أدى إلى فقدان المنظمة لدعم حليف رئيسي، وسيطرة الولايات المتحدة الحليف الرئيسي لإسرائيل على العلاقات والمؤسسات الدولية. فأصبحت أزمة الشرق الأوسط وإيجاد حل لها من أهم القضايا التي تواجه الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش الأب. مما دفع الإدارة الأمريكية لتأليف لجنة خاصة لدراسة الخيارات المفتوحة أمام السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتي قدمت تقريرًا بعنوان البناء من أجل السلام.
وكان لحرب الخليج الثانية سنة 1991 الأثر الأبرز على الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فقد ازدادت معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج طوال فترة حرب الخليج، فتعرض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لحصار إسرائيلي مرير انعكس بشكل سلبي على النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في الوقت الذي تعرض فيه الفلسطينيون في الخارج لموجة من التهجير شملت مئات الآلاف من الفلسطينيين من دول الخليج. إضافة إلى قيام دول الخليج بقطع التمويل عن منظمة التحرير عقابًا على موقفها من احتلال العراق للكويت وبخصوص الأسباب التي دفعت إسرائيل لتوقيع اتفاق أوسلو، كان لدى الاحتلال الإسرائيلي عدة اعتبارات دفعته للذهاب لأوسلو، أبرزها التحولات على الساحة الفلسطينية والمتمثلة بظهور الحركة الإسلامية وتقدمها مع اندلاع الانتفاضة، والذي بدوره أحدث لدى إسرائيل تخوفًا من الاضطرار يومًا ما للتفاوض مع الحركات الإسلامية، ففضلوا التعامل مع منظمة التحرير التي كانت قد قطعت شوطًا في العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة بتشجيع عربي عام. كما أن الانتفاضة شكلت عامل قلق كبير للاحتلال، لأسباب لها علاقة بيقظة الشعب وتحركه وهو سبب كاف لغلق الأبواب أمام مبادرة الشعب. ويشير عضو القيادة السياسية والعسكرية لمنظمة التحرير ممدوح نوفل أنه لولا وجود الانتفاضة وما مثلته من ضغط كبير على الاحتلال، لما قبل إسحق شامير بوجود مسار فلسطيني – إسرائيلي في إطار مؤتمر السلام، ولما قبل الجلوس وجهًا لوجه مع الوفد الفلسطيني.
مفاوضات مؤتمر مدريد وقناة أوسلو السرية، لقد استغلت الولايات المتحدة التغير في ميزان القوى الإقليمي، مستفيدة من برنامج السلام الذي أطلقته منظمة التحرير قبل حرب الخليج من أجل عقد مؤتمر السلام في مدريد سنة 1991 وبدأ المفاوضات الثنائية الإسرائيلية – العربية، والإسرائيلية – الأردنية – الفلسطينية. وشمل إطار المفاوضات التي أدارها وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر آنذاك مسارين: مسار ثنائي الأطراف بين كل من إسرائيل وسوريا، وإسرائيل ولبنان، وإسرائيل والأردن. ومسار متعدد الأطراف لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك في المنطقة من خلال جهد الأطراف الإقليمية ودعم المجتمع الدولي.
وقد فرضت مفاوضات مدريد شروطًا مجحفةً على الفلسطينيين أهمها، وضع الوفد الفلسطيني تحت المظلة السياسية للوفد الأردني بسبب عدم موافقة إسرائيل أن يكون الوفد الفلسطيني مستقلاً، رفض قدوم الوفد الفلسطيني إلى المؤتمر أو إلى المفاوضات التي تلته باسم منظمة التحرير، وإنما بصفته ممثلًا لسكان المناطق، والمقصود بها سكان المناطق المحتلة في الضفة والقطاع، رفض انضمام مندوبين من مناطق اللجوء الفلسطيني في الدول العربية أو الأجنبية أو عن مدينة القدس.
إلا أن الوفد الفلسطيني برئاسة الراحل حيدر عبد الشافي أعلن بصراحة أن الوفد يمثل الشعب الفلسطيني كله، وأنه يتلقى الأوامر مباشرة من منظمة التحرير، إلا أن هذا الموقف لم يغير من شروط التشكيل المفروضة على الوفد.
وعلى إثر المؤتمر جرت مفاوضات مباشرة بين الوفد الفلسطيني والإسرائيلي في واشنطن، وتمسك خلالها الوفد الفلسطيني بضرورة أن يتم وقف الاستيطان في الأراضي المحتلة، وأن توقف عمليات القتل والاعتقال في صفوف الفلسطينيين إذا ما أريد للمفاوضات أن تتقدم. إلا أن المفاوضات بين الطرفين لم تحرز أي تقدم بسبب إصرار الوفد الفلسطيني على مطالبه، والرعاية الأمريكية للموقف الإسرائيلي.
وفوجىء الوفد المفاوض في واشنطن فيما بعد بأن هناك مفاوضات سرية موازية كانت تجري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في أوسلو النرويجية. وأسفرت هذه المفاوضات عن اتفاق إعلان المبادئ والذي عرف باتفاق أوسلو الذي وقع في 13 أيلول/سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية آنذاك محمود عباس وبين إسرائيل الممثلة بوزير خارجيتها بيرز، وقد جرى الإعداد لهذا الاتفاق في سرية تامة، وبعيدًا عن جولات المفاوضات الثنائية أو المتعددة الأطراف، كما أن الإعلان عنه تم بعد أن أخذ شكله النهائي .
وهناك رواية تفيد بأنه عندما إطمأن عرفات بأن إسحق رابين يعرف بقناة أوسلو بدأ يطلب من الوفد المفاوض في واشنطن أن يتخذ مواقف مبدئية متصلبة، هادفًا من ذلك إلى إغلاق الطريق على مفاوضات واشنطن كي تظهر قناة أوسلو باعتبارها الخط الموصل الوحيد. فبيرز كان ضد مفاوضات واشنطن، وكان مقتنعًا بضرورة التفاوض مع عرفات شخصيًا، والحصول على توقيعه، فأشار على عرفات أن يركز على قناة أوسلو ولا يضيع وقته مع فيصل وحيدر.
لقد شكل الوفد المفاوض في واشنطن هاجسًا لعرفات، فأعضاء الوفد كانوا يتصرفون كالنجوم، إضافة للإعلام الخارجي الذي لعب دورًا في الترويج بأنهم قيادة بديلة لمنظمة التحرير، فوفقًا لتعبير عرفات "فإنه يبدو أن رأسهم تخنت". وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشروع غزة – أريحا قد سبق وأن طرح من قبل وزير خارجية الولايات المتحدة سايروس فانس على الرئيس السادات سنة 1977، ونقله بدوره إلى كل من عرفات والشهيد أبو إياد، إلا أن منظمة التحرير قامت برفضه آنذاك، لكن أن التغيرات التي سبق ذكرها جعلت ما كان مرفوضًا بالأمس مطلوبًا اليوم، المتمثلة في اتفاق أوسلو الذي استند على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، ونص على إجراء مفاوضات للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وغزة
أن القضايا الجوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يشملها الاتفاق وإنما تم تأجيلها، فلم يكن بالمقدور التوصل للاتفاق إلا من خلال تأجيل هذه القضايا، والتي تشمل القدس، وحق العودة، والمستوطنات، والحدود، وغيرها إلى مفاوضات الوضع النهائي، إلا أنه وبعد مرور ثلاثة عقود من الزمن مازالت هذه القضايا عالقة، والمفاوضات حولها مستمرة بلا فائدة. فالجانب الفلسطيني ملزم بتنفيذ بنود الاتفاق تحت ضغط دولي وإقليمي، وعلى رأسها التنسيق الأمني الذي تسبب في تهشيم شعبية السلطة لدي الشعب الفلسطيني، بينما إسرائيل مازالت تمارس نفس سياساتها متجاهلة الاتفاق والقوانين الدولية، مستثمرة ثلاثة عقود لتغيير معالم القدس وتهويدها، وتسمين المستوطنات والاستيلاء على الأراضي لضم الضفة الغربية
فبعد ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق تغيرت الظروف على جميع المستويات. فعلى المستوى الدولي، بعد تولي الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب قام بدعم اتفاقيات أبراهام للتطبيع الإسرائيلي العربي، وإقليميًا حدث ما يسمى بالثورات العربية وأصبحت القضية الفلسطينية ثانوية لدى البعض العربي الذي ذهب لبناء علاقات تطبيع مع إسرائيل حتى قبل تطبيق بنود اتفاق أوسلو، أما محليًا فخلق أوسلو حالة من الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني المستمر منذ سنة 2007. ولم ولن تطبق إسرائيل بنود الاتفاق، حيث استثمرت كل الظروف سابقة الذكر وغيرها على مدار ثلاثة عقود للتنصل من كل الالتزامات، وخلقت حقائق على الأرض لا يمكن التعامل معها بمفهوم الاتفاقيات والمفاوضات؛ وهذا الحل أوصل الشعب الفلسطيني لطريق العودة إلى ما قبل توقيع الاتفاق وهو التفكير الجدي بكل ما حصل خلال هذا الزمن الضائع والذي أضاع القضية الفلسطينية.
مثلما لم يأت التوقيع على اتفاق أوسلو بشكل عفوي، في المقابل لم يأت الطوفان أيضًا من فراغ وإنما جاء في السابع من أكتوبر 2023، والذي قامت به حركة حماس بعد انسداد أفق السلام وعدم التوصل إلى حلول تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فالعنجهية الإسرائيلية لم تمنح الفرصة لأي استقرار على مدار ثلاثة عقود على أوسلو، والعديد من الاتفاقات مع العرب والمبادرات العربية، وفي مقدمتها مبادرة بيروت سنة 2002، واجتماعات أنابوليس، ومفاوضات شرم الشيخ، ومن قبلها كامب ديفيد سنة 1978، ووادي عربة سنة 1994، ومبادرة الملك فهد بن عبد العزيز، في قمة فاس العربية سنة 1982، كل هذه المبادرات لم تلقى القبول من قبل إسرائيل، وهي نفسها التي أنهت اتفاق أوسلو وقتلته.
فحماس فاض الكيل بها وبشعب غزة المحاصر على مدار عقدين، فأدركت حماس أن الفرصة متاحة أمامها لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على الصعيد الوطني والقومي والدولي وقلب الطاولة على رأس أوسلو ورأس إسرائيل، وفتح نافذة الحقيقة المتمثلة في أن إسرائيل لم ولن تعترف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين من خلال المفاوضات، وشراء الوقت لبناء المستوطنات وضم الضفة الغربية وحصار القطاع والاعتقال والهدم والقتل المستمر اليومي الذي تمارسه قوات الاحتلال بدون مساءلة ومحاسبة؛ فقامت حركة حماس في الطوفان لتؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يمكن له أن يقبل بضياع حقوقه الوطنية والتسليم في سياسة الأمر الواقع، وغياب قضيتهم وتهميشها عربيًا ودوليًا، فجاء الطوفان ليؤكد الواقع الفلسطيني الوطني الحقيقي أن الفلسطينيون يملكون من القوة والإرادة مالا يمتلكه الاحتلال، فكانت معركة الطوفان التي أعادت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى بداياته، إلى قبل توقيع أوسلو، حيث أصبحت القضية الفلسطينية هي العنوان الدولي.
لقد أحيت المعركة الخيار العسكري وأكدت أنه يمكن هزيمة إسرائيل، ومسحت مقولة الجيش الذي لا يقهر، حيث تم قهره في عقر معسكراته وتم سحبه كالخراف، وأسر ضباط وجنود وتم الاستيلاء على قواعده ومعسكراته والمستوطنات في غلاف غزة في ساعات. هذا العمل الفدائي البطولي عمل على إحياء النفس الثوري الفلسطيني والعربي والعالمي الذي تأكد له أنه يمكن أن يحقق الشعب الفلسطيني الخلاص من الاحتلال بالقوة العسكرية، ولقد قاتل المقاومون في غزة من نقطة الصفر بكل بطولة وجرأة، فهذا القتال دفن أوسلو بلا مشيعين، ودفن معه كل الركائز الأساسية التي تعتمد عليها إسرائيل باستثناء ركيزة الدعم اللامحدود من قبل كل قوى الظلم العالمية "الإمبريالية"، وفي مقدمتهم أمريكا.
والملاحظة الجوهرية ما بين الطوفان وأوسلو هي أن نشأة أوسلو كانت في غزة "غزة أولًا" وكانت نهاية أوسلو ودفنه في نقطة انطلاقته أي مسقط رأسه في رمان غزة "غزة أخيرًا"، وكانت ولادته في احتفال واسع ودولي وإشهار علني وعالمي وبتغطية إعلامية منقطعة النظير ولكن دفنه كان مفاجئ وسري بسرية معركة الطوفان وبتعتيم إعلامي لم يسبق حدوثه. والنتيجة الثانية هي أن من شطب أوسلو عن الوجود كان عمره من عمر أوسلو، فأوسلو تم في سنة 1993؛ وأيضًا كتائب القسام تأسست تقريبًا في نفس الفترة الزمنية.
ونختم مقالنا في السؤال التقييمي لمسيرة ثلاثة عقود من الزمن، ماذا لو عاد الزمن للخلف بالشعب الفلسطيني هل سينقسم بين مؤيد ومعارض لاتفاق أوسلو، أم سيتوحدون على رفضه بلا تردد؟!.
وفي المقابل نرى كيف توحد الشعب الفلسطيني خلف المقاومة وبكل قوة وتأييد منقطع النظير لما قامت به كتائب القسام في السابع من أكتوبر وما رافقه من قتال نوعي وتبادل أسرى بحنكة، فالشعب الفلسطيني يتوحد خلف من يخلصه من الاحتلال على الرغم من الإبادة في غزة من خلال قتل عشرات الآلاف وتدمير أكثر من نصف مباني القطاع لكي يقف الشعب ضد المقاومة ولكن كانت ومازالت كل المواقف داعمة للمقاومة.