تاريخ النشر: 2020-01-10 | 14:08
تاريخ النشر: 2020-01-10 | 14:08
أغرب المعارك تلك التي تنتهي بإدعاء كل طرف أنه قد حقق فوزا وانتصارا، وهذا يصعب عملية التحليل وإبداء الرأي بمنطقية وواقعية، فالمناخ مشحون بالرغبات المسيطرة على الخطاب و الرافضة منطق العقل ورؤية العين، وهنا تصبح عملية التحليل والقراءة ملزمة بالأخذ بعين الاعتبار كل المبررات والتصورات المقدمة من قبل طرفي الصراع.. هنا ليس نافعا أبدا الرد على المزايدين على إيران في عدم رد قوي لأنهم ومن يتبعونهم لا يستطيعون إلقاء وردة على التواجد الأمريكي او الكيان العنصري.
في المشهد الأخير من العلاقة الإيرانية الأمريكية يتبين الى أي مدى يحاول الإيرانيون الوصول إلى حافة الهاوية وفرض أمر واقع جديد ومعطيات جديدة لا يستعينون من أجل ذلك فقط بالقوة المسلحة أو المال أو كسب الأصدقاء إنما أيضا من خلال لغة خطاب عالية الوتيرة تقدم الأمنيات على اعتبار أنها راسخات من اليقين وتقدم تفسيرا وتأويلا لكل تصرف وموقف في رواية تحبط بالمعركة كلها ويندفع في هذه اللغة كل الأتباع والأصدقاء بحماس وتفاعل إلى درجات تتجاوز حد المعقول أحيانا كثيرة.. وهي في هذا كله تحاول إيران ان تقنع الناس أجمعين بوجهة نظرها وان تبسط نفوذها في مساحات الاشتباك تناور هنا وتصادم هناك وتحتوي هنالك وتقدم تنازلات لهذا وتصطدم مع ذاك وهي في كل العملية إنما تحاول افتكاك مساحات من النفوذ والقدرة على المساهمة في تشكيل المنطقة سياسيا.
وفي المشهد الأخير أيضا يتبين إلى أي مدى تمتلك الإدارة الأمريكية الإحساس بأهليتها فى حسم الجولات كما ترغب وبالطريقة غير المتوقعة وكيف تجند من أجل ذلك الأصدقاء والأعداء سواء وكيف ترفع شعارات كانت قبل ذلك مرذولة لدى الإدارة الأمريكية، في المشهد الأخير تعيد الإدارة الأمريكية الى الأذهان انه ليس هناك صديق دائم ولا عدو دائم، وان تنسيق الأمريكان مع سواهم بما يحقق مصلحة إستراتيجية للأمريكان لا يعني ابدا انه أصبح جسر صداقة، وأكدت الإدارة الأمريكية مجددا انه لا يهمها مشاعر أحد ولا حزن أحد و لا حق أحد إنما هي المصلحة الأساسية الكامنة في الحفاظ على التسيد الأمريكي.. لقد قدمت الإدارة الأمريكية في المشهد الأخير إصرارا على الإمساك بأطراف اللعبة وان للإدارة الأمريكية في إخراجها منهجية واحدة هي المبادرة الصاعقة للمشهد القائمة على مبدأ توالي الصدمات التي تفقد الخصم قدرة العمل في اتجاه المبادرة.
فإلي أي حد تكون وصلت قوة الدفع الإيراني وتمدد نفوذه، و قوة الهيمنة الأمريكية في المنطقة بعد انتهاء المشهد المرعب؟ بالضرورة وضع المشهد ونتائجه في سياق التوتر الحاد المتصاعد بين الإدارة الأمريكية وإيران منذ بدء مرحلة ترمب التي بدأت بانسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي، فلقد أعاد ترمب مجموعة إجراءات العقوبات وبتوالي الأمر الذي شد الخناق على الاقتصاد الإيراني واحدث أثارا بالغة على الحياة الاجتماعية في إيران تفجرت في نهايات العام الفائت في احتجاجات بالغة الخطورة، وقامت إيران بمناورات وبدوريات استطلاع بالذخيرة الحية وكادت المعركة تندلع بين إيران والقوات الأمريكية في المنطقة لاسيما في الخليج العربي أكثر من مرة وحاولت ايران إظهار أقصى درجات الاستعراض العسكري من خلال مناورات عسكرية او من خلال حملة خطاب يبثها أصدقاؤها في لبنان واليمن والعراق حيث تركت الإدارة الأمريكية الفرصة لإيران بالتمدد في الشأن العراقي لترتيبه من خلال علاقات مع القوى الشيعية السياسية والتي جاءت معظمها مع الدبابة الأمريكية..
حاولت إيران كسر الروتين وإرباك النهج الأمريكي من خلال عمليات عسكرية كإسقاط الطائرة من غير طيار الأمريكية باهظة التكلفة ومن خلال قصف مقرات ارامكو بالسعودية كما تعلن لجان تحقيق أمريكية.. إلا أن الأمريكان ساروا في اتجاه اخر حيث شدوا الحصار على النفوذ الإيراني في المنطقة: في سورية من خلال تفاهمات مع الروس الذين قدموا التزامات موثقة للإسرائيليين بأنهم لن يسمحوا باي خطر امني يتهدد إسرائيل جراء تدخلهم في إنقاذ النظام السوري وهذا بوضوح يتجه نحو منع الإيرانيين بالتمدد في الشأن السوري ولعل الاغتيالات في سورية التي طالت قيادات وازنة من حزب الله والحرس الثوري و مجموعات المقاومة إشارة واضحة للتفاهمات العميقة بين الروس والإسرائيليين والأمريكان والتي بموجبها سمح للروس بدخول المنطقة الخطرة والحساسة.
لم يكن بالأمر السهل قصف ارامكو سواء جاء من قبل الحوثيين كما يدعون او من قبل إيران مباشرة كما يدعي الأمريكان.. ولم يستقبل الأمريكان بسهولة تهديدات الإيرانيين بعدم السماح لنفط المنطقة ان يخرج منها ان هي حرمت من ذلك رغم ان تدفق النفط من المنطقة لم يعد يهم التاجر الأمريكي الذي وجد في ذلك فرصة رفع السعر لبيع المخزون الاستراتيجي من النفط في أمريكا وتجميد قدرات المنطقة واستنزاف مخزنها المالي ودفعها الى تعقيدات قد تفجرها وتنهي وجود دولها القلقة.. فاتجهت السياسة الأمريكية في الأشهر الفائتة لإفقاد إيران كل قوة نفوذها في الإقليم وإرجاعها الى النقطة صفر التي كانت قبل غزو العراق.. واستفادت الإدارة الأمريكية من أخطاء إيرانية تكتيكية او إستراتيجية أثناء تحركها في ترتيبات سياسية في المنطقة حيث راهنت على عامل الزمن في تعديل توجهات قوى سياسية كما حصل في العراق ولبنان واليمن على حساب قضايا مبدئية، فأصبح الوضع أمام المشاهد العربي كما أرادته أمريكا يتركز في تشكيل محور شيعي تحت عنوان محور المقاومة توزع الأدوار في مناطق حساسة وكل طرف فيه يعبر عن حالة صراعية وجدلية يعبر عنها أحيانا بالفتنة الطائفية.. و بلاشك تم غض الطرف الأمريكي عن مد النفوذ الإيراني في مرحلة ما في سورية ولبنان والعراق واليمن.. وذلك بلا شك لتشتيت القوة الإيرانية وإرهاق دولة تقع تحت طائلة الحصار وإخضاعها للمنطق الأمريكي وإرجاعها الى التبعية للسياسة الأمريكية.. قاد قاسم سليماني العملية المعقدة بتنسيق او خصومة مع الأمريكان حسب الموقع والمهمة واستطاع ان يفرض وجود ايران في المنطقة محاولا بذلك تشكيل قوة الضغط الكافية لرفع الحصار عن إيران او فتح مجال حيوي لايران تتجنب معه الوقوع في مستنقع الحصار الرهيب..
جاء اغتيال قاسم سليماني إعلانا أمريكيا بانتهاء الدور الإيراني في الإقليم وان على إيران ان تلتزم بشروط البقاء السياسي في المنطقة، من هنا يجب ملاحظة ان اغتيال قاسمي جاء في لحظة حاسمة للسياسة الأمريكية فهناك كما هو واضح تضييق على التحركات الإيرانية في سورية من قبل الروس كما ان هناك فوضى وارتباك في لبنان يفقد الصديق القوي القدرة على فتح البلاد على حرب وانحيازات جديدة ولا زال الوضع في لبنان على كف عفريت يمكن تفجيره بما هو اعنف من أي مرحلة سبقت ومن أي بلد اخر.. وفي العراق تحرك الشيعة والمفترض انهم وايران في حلف واحد وكان لعنفوان ثورتهم إشارات قوية بان ايارن تخسر موقعا حساسا هو العراق فلقد تعمدت ثورة العراقيين الشيعة حرق قنصليات ايران والهتاف ضد القيادة الإيرانية في محاولة لقطع الصلة بين ايارن والعراق ولازال الحراك العراقي يكرس وجوده بعد ان انتزع من البرلمان عدة قوانين من شانها تحجيم دور المليشيات والأحزاب الطائفية والموالية لإيران، التي حاولت تفتيت الحراك والالتفاف حوله ولما فشلت تماما ورغم قيامها بقتل أكثر من 1000 متظاهر وجرح اكثر من 20000 ذهبت لصرف الأنظار في اشتباك مع القوات الأمريكية في العراق بقصف لقاعدة عسكرية أمريكية فجاء الرد الأمريكي المبالغ فيه بقتل اكثر من 30 جندي من الحشد الشعبي.. لاحظت أمريكا ان قاسم سليماني يوجه الى ضرورة الاشتباك مع القوات الأمريكية وهنا جاءت الضربة الأمريكية الصادمة والصاعقة والمفاجئة وغير المتوقعة باغتيال قاسم سليماني لإغلاق ملف النفوذ الإيراني في العراق..
ردت ايران عاطفيا وسياسيا ولكنها لم تقم بفعل في حجم قتل قاسم سليماني ولعلها بذلك فعلت خيرا وتجنبت دمارا رهيبا تحدثه الصواريخ الأمريكية لمنشآتها الحيوية ولعلها ايضا تكون قد نجت من كمين نصبه لها ترمب.. وان المتتبع بهدوء لتصريحات القادة الإيرانيين يلاحظ تركيزهم على إنهاء الحضور الأمريكي في المنطقة على اعتبار انه الانتقام الذي يليق في حين تحاول أمريكا بقوة إنهاء نفوذ إيران وتفتح لها ملفات عديدة ستكون ساحات اشتباك لإبعادها عن التفكير في ترسيخ قواعدها في المنطقة.. من المنتصر من المنهزم؟ الموضوع اكثر تعقيدا من اجابة سهلة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.