تاريخ النشر: 2018-08-02 | 22:40
تاريخ النشر: 2018-08-02 | 22:40
لم تكف يوما مطالبات القوى السياسية الفلسطينية بضرورة تصويب العلاقات الداخلية والإبتعاد عن التفرد في القرار السياسي . هذه المطالبات منذ تشكيل منظمة التحرير وحتى الأن. فما هي نتيجة هذه المطالبات؟ لا شئ. لقد حافظت العلاقات الفلسطينينة الداخلية على نفس صيغة الهيمنة ( متأرجحة في هامش ضيق) مقرونة بمصالح القوى السياسية ومقدراتها المالية وقدرتها على الوصول والتحكم بالمال، مضافا لذلك قدراتها العسكرية والجماهرية، وقدرتها على الحراك والتأثير السياسي على الشارع، متبوعة بمصلحة التيار السياسي المسيطر بتقريب هذا التنظيم أو ذاك.
المدقق في العلاقات الداخلية الفلسطينية ـ الفلسطينينة فى إطار ما يسمى القوى الوطنية ( أي دون إحتساب القوى الإسلامية) يرى بوضوح أن هناك تغيرات حقيقة مفصلية (رأس على عقب) بدأت منذ قيام السلطة الفلسطينية وقفزت نوعيا بالإتجاه السلبي عبر مراحل إرتبطت بتطورات السلطة الفلسطينية سياسيا وتنظيميا. أما التغيير الكبير الذى حدِث في مسار هذه العلاقات فيمكن تحديد إطار زمني له بعد عام 2004 حيِث تم إعادة تدريب قوات السلطة الفلسطينينة الأمنية وفقا للبرامج الأمريكية وعقيدة أمنية جديدة والتي تقوم على ركيزتين وهما تنفيذ الأوامر مهما كانت قساوتها وتفهم علوية وسيادة ودور جيش الإحتلال الإسرائيلي وعدم التدخل في نشاطاته والتعاون معه. لقد كتبت الصحافة الفلسطينينة القريبة والمعارضة للسلطة عن كيف أصبحت الأجهزة الأمنية الفلسطينينة ذراعا تابعا لأوامر الإحتلال بعد طوي صفحة ما قبل عام 2003 حين واجه قسم من أفراد هذه الأجهزة جيش الإحتلال بعد إقدام الثاني إطلاق النار على المتظاهرين العزل من أي سلاح. مرحلة إنطوت ويبدو انها لن تعود، بدليل ١٥ عاما وما زالت أجهزة الأمن الفلسطينينة تنفذ أوامر الإحتلال.
ليس بخافي على أحد أن الملتحقين في الأجهزة الأمنية التابع للسلطة هم من أبناء ومؤيدي حركة فتح بإستثناء عدد قليل من مؤيدي القوى الأخرى ملتحق بجهاز الشرطة ( ومن هم بجهاز الشرطة وبالعادة يكونوا في مواقع هامشية أو مساندة ليست بأهمية من حيِث صنع القرار أو عمليات جهار الشرطة) . هذا ليس حال الأجهزة الأمنية فقط بل هو حال المؤسسات الفلسطينينة وتحديدا جهات إنفاذ القانون من قضاء ونيابة ومحافظات والتي قوامها حركة فتح . طبعا إن مكونات أجهزة السلطة وعلى وجه الخصوص أجهزة إنفاذ القانون تشترط الخضوع والخنوع لنظام الولاء والمحسوبية، وهذا النظام ما هو الإ إمتداد للنظام المعمول به في ما تبقى من هيكل (منظمة التحرير).
وعليه فإن حركة فتح مهيمنة بالمطلق على أجهزة السلطة في الضفة الغربية المحتلة مما يعني أن الحديث عند أي مواجهة مع السلطة لا يقتصر فقط على السلطة بل يمتد الى حركة فتح حتى وان حاولت الاخيرة النأي عن النفس تحت مبرر انها قرارات للسلطة ورئيسها. هل يمكن لأحد ان ينفي واقع الحال وينكر خضوع كل من المنظمة والسلطة لحركة فتح . هذا لا يعني أن الأجهزة الأمنية لم تواجه مجموعة أو افراد محسوبين أو متصلين على حركة فتح ولكنهم لا يتفقون مع التيار السياسي والتنظيمي للحركة.
إن الأجهزة الأمنية الفلسطينينة تتدخل في مجمل الشوؤن الفلسطينية الداخلية: من مخصصات إجتماعية وبطالة، زواج وطلاق، مؤسسات أهلية وإجتماعية، وعملية توظيف في دوائر السلطة وحتي القطاع الخاص، وتتدخل في عمل الأندية، والإنتخابات النقابية والطلابية، وقبول او رفض تسجيل طلبة في الكليات والمدارس، ووسائل الإعلام، ودخول المرضى في المستشفيات والتحويلات الطبية... أى تتدخل في عمل الأجهزة المدنية للسلطة الفلسطينينة. وكما وتتدخل في العلاقات الفلسطينية بين القوى السياسية الفلسطينية الداخلية . وعليه لا يمكن الفصل بين الأجهزة الأجهزة الأمنية وحركة فتح، مثلما لا يمكن الفصل بين مسؤولي أقاليم فتح ومكتب الرئيس والأجهزة، فالتداخل عميق حفاظا على مصالح تشكيل من السلطة بتداخله مع حركة فتح.
إن ما تم ترسيخه في واقع الحال في الضفة الغربية المحتلة فيما يتعلق بدور ووظائف الأجهزة لا يخرج عن كونه قمع للنضال الفلسطينيي ومحاولات قوية لإستئصال ما تبقى من جيوب المقاومة وبذور للنضال الفلسطيني. فمن إستطاع الإختباء والتخفي والتواري عن أعين الإحتلال سنوات لا يمكن له الإختباء عن الإحتلال لبضع ايام في هذه المرحلة. إن الحديث لا يدور فقط عن تنسيق أمني بين مستويين رسميين على صعيد تبادل المعلومات من أعلي الهرم. إن الحديث وبرأيي هو تغييرات إجتماعية ـ نفسية متصلة بكينونة الفرد الإجتماعي ـ السياسي في إطار حركة فتح عملت على إحداثها السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية. هذه التغييرات منطلقة من قاعدة الحفاظ على المنافع التي باليد والخوف من ضياع ما بهذه اليد للاخرين، حتى وإن كان ما باليد هو القليل والفتات.
وفي الإطار الخاص ، فإن دراسة العلاقة بين القوى التي تسمى بالقوى الوطنية بعلاقتها مع حركة فتح و الأجهزة الأمنية تقول أن الفصل بين حركة فتح والأمن يبدو مستحيلا في واقع السلطة والحركة الحالي. وإن حدث إن كان هناك بعض المواجهات بين من حمل السلاح وقاوم في صفوف فتح والأجهزة الأمنية، أو من حمل السلاح وتم إعتقاله لكونه أحتسب علي تيار مناهض لرئيس السلطة في الضفة المحتلة، فإن ذلك لن يغيير من حقيقة التداخل الكبير بين الأجهزة الأمنية وفتح. إن الحديث عن الفصل بين حركة فتح وقوى الأمن الفلسطينينة يبدو مستحيلا، وهذا يعني أن مفهوم الشراكة الوطنية وبكل صراحة يبدو نوعا من الخيال
إن ممارسات الأجهزة الأمنية في الأراضي الفلسطينينة المحتلة عملت على تغيير واقع وحركة التناقضات، فالصراع أو التناقض مع الإحتلال لم يتبلور ويبرز بكونه صراع أساسي، فقد تم تبني إستراتجية السكوت والإنصياع للاحتلال. أما التناقضات مع القوى اليسارية فقد تم تبني إستراتجية العصا والجزرة والإقصاء، بينما مع حركة حماس تبلور من قبل تيار السلطة كصراع أساسي ومستمر، صراع وعداء تم ترسيخه من الأعلى بالتجييش والمال والتملق والفساد والمحسوبية من قبل سلطة فتح في الضفة المحتلة وسلطة حماس في قطاع غزة. إن منطق فتح والسلطة بأجهزتها منطق أعوج ينطلق من مبدأ من يملك القوة يسود. لقد قمعت السلطة النضال الشعبي وقمعت العمل المقاوم للاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، وبدلا من التعامل مع الصوت المعارض كصمام أمان وطوق نجاة، عملت على اسكاته وقمعه، وزادت من عمق حصار قوى اليسار في المنظمات غير الحكومية. كما فإن ما تريده السلطة من الجمهور الفلسطيني هو التصحيج والهتاف لرئيس وفريق السطلة ... تريد جمهور تحركه متى شاءت لدعم تطلعات من يتفرد بكل شي . إن ما يطمح له الرئيس وفريقه هو إعادة سيطرته على قطاع غزة وتدجين القطاع كما عمل في الضفة المحتلة تحت شعارات الشرعية والبرنامج الوطني؛ هذا البرنامج الذي إستبدل الأرض بالكراسي والمسميات الفخمة.
أين هي هذه الشراكة الوطنية التي يجري الحديث عنها والمراد تصحيحها.