تاريخ النشر: 2016-02-21 | 08:54
تاريخ النشر: 2016-02-21 | 08:54
تعتبر أوروبا وأمريكا واسكندنافيا هي أحلام لكثيرٍ من الشباب العربي وشباب دول العالم الثالث، لما تُقدِمه من خدماتٍ اجتماعيةٍ وصحية تشملُ كافة مرافقِ الحياة، ولما تتمتعُ به من أنظمة وقوانين تدعم الحريات السياسية والاجتماعية والعقائدية وهي الأمور التي تفتقر إليها دولنا، وأيضا للحصول على فرصة الحياة في مجتمعات راقية ومتقدمة تفسح المجال أمام تعليمٍ أفضل لأبنائنا كما نراها في وسائل الإعلام المختلفة وكما نقرأ عنها في الكتب والمجلات.
في الواقع لم تكن الدول آنفة الذكر عبارة عن أحلام فقط بل وصلت عند الآلاف من الحالمين إلى هوس كلفهم أرواحهم في بعض الأحيان وخسارة من يحبون في أحيانٍ أخرى، وخسارة ممتلكات ومقتنيات قد تكون الوحيدة التي امتلكوها في حياتهم، وقصص الغرق والنصب والنهب للهجرة غير الشرعية حدِث ولا حرج، والتي أدت في أسلم حالاتها إلى سرقة أعضاء عددٍ منهم أو جعلهم ضمن منظومة الإتجار بالبشر واستغلالهم في الرِقْ والدعارة والتسول والمخدرات، إلا من رحم ربي واستطاع النجاة.
أما الآخرين من طالبي اللجوء السياسي والإنساني والذين وصلوا إلى تلك الدول بطُرُق قانونية وسليمة بعد انبهارهم بجمال الطبيعة ونظافة الشوارع والالتزام بالقوانين والخدمة الجيدة في القطاع الصحي والقطاعات الأخرى، وإذ بهم يصطدمون بالواقع المختلف اختلافاً كلياً بأبعاده الثقافية والاجتماعية حيث التفكك الاجتماعي وعدم تقبل العلاقات الاجتماعية الإنسانية الكثيرة بالشكل الموجودة عليه في مجتمعاتنا العربية، والانفتاح الذي يفاجئ الكثيرين ممن خرجوا من مجتمعات محافظة بالكاد تقبل فكرة الاختلاط بالمواصلات العامة إلى مجتمعات يتبادل فيها الشبان القبل في الطرقات كما يتبادلون التحية وهو ما يرفضُه العرب والمسلمون ويحاولون منع أولادهم عنه.
في الحقيقة يدفع اللاجئون والمهاجرون إلى تلك الدول ذات الراحة والاستقرار الأمني والسياسي والرخاء الاجتماعي أثماناً باهضةً مقابل ما يحصلون عليه، فهم يعيشون في غربة عن أوطانهم وعن أهاليهم وذويهم ويعيشون صراع الهويات الثقافية والدينية والاجتماعية وهو أصعب ما قد يمرون به، فأبناءهم هم منظومة من هذا المجتمع الجديد خاصةً إذا تم إنجابهم في هذه الدول وتجنيسهم فيها، ويفترض أيضا أنهم امتداد لهوياتهم الأصلية لأوطانهم التي خرجوا منها وهنا يحدث صراع الأجيال والثقافات خاصةً بين الآباء والأبناء حيث يحمل الآباء عاداتهم وتقاليدهم ويرغبون بتوريثها لأبنائهم كما جرت العادة من باب الحفاظ على الهوية والامتداد بينما يعيش الأبناء المولودين في تلك البلاد بصدمة مما يسمعون من ذويهم وبين ما يعيشونه في الحياتهم اليومية، مما يخلق عندهم نوع من التخبط وعدم الاستقرار الداخلي.
في زيارةٍ لي لأوروبا وأحد دول اسكندنافيا المعروفة بالرخاء الاقتصادي والاستقرار الأمني والهدوء السياسي فاجأتني عائلة فلسطينية من الضفة الغربية تزامن وقوع ذلك الحادث الغريب معهم مع زيارتي، لم يكن قتلاً ولا اغتصاباً ولا سرقةً بالمعنى المتداول ولا اعتداءً على حرية، الحادث هو كل ما سبق بشكل قانوني ومُبرر وربما مُقنع في العالم الغربي، تلك العائلة قامت مؤسسة حماية الطفل والمعروفة باسم "بارنافان" بأخذ أطفالهم الخمسة منهم، ووضع كل طفلٍ في عائلة جديدة، يُمنع على الأطفال التواصل مع بعضهم البعض أو حتى معرفة أماكن إخوتهم، وطبعا يمنع منعاً باتاً على الواليدن معرفة أماكن أطفالهم المسلوبين منهم ويمنع التواصل معهم إلا عبر لقاء في السنة أو لقائين تقرر المحكمة تواريخ تلك اللقاءات، لم تكن تلك العائلة هي الأولى ولن تكون الأخيرة التي يختطف أبناءها منها وبشكل قانوني وتحت بنود ونصوص قانونية والتهمة أن الأهل غير صالحين للتربية والإنجاب، وإذا كانت الزوجة أي الأم حامل فإن تلك المؤسسة تنتظرها خارج غرفة الولادة وتسارع في أخذ المولود وضمه إلى قائمة الأطفال المخطوفين قانونيا، طبعا والحجة حماية الأطفال من أهاليهم غير الصالحين بمقاييس تلك الدولة، وهي عديدة ومختلفة تتمثل أحيانا في الأسباب التالية: ضرب الأطفال، تعنيفهم بالصوت العالي، الإهمال في هيئتهم ومظهرهم، قلة نومهم أحياناً، تراجعهم في الدراسة مما يعطي إشارة للمدرس أن الآباء غير مهتمين بتدريس أبنائهم، أو إذا شرد الطفل بتركيزه في الصف فإنه يدخل في تحقيق لمعرفة أسباب شروده الفكري وهي غالباً جاهزة بالنسبة للبارنافان وتتمثل في عيش الطفل في بيئة مشاكل أسرية تؤثر على أدائه وسلوكه.
الغريبُ في الموضوع أن مؤسسة حماية الطفل (البارنافان) تعمل تحت مبررات حقوق الطفل وتدعي حمايته، لكن في الحقيقة هي تُدمر الطفل فلا اعتقد أن هناك أسوء من تعرض الطفل في سن مبكر للاختطاف من حضن أمه أو أسرته، ولأكون صريحةً أكثر دفعتني تلك الأسرة الفلسطينية إلى التعمق في الموضوع أكثر ومتابعته، وبعض القليل من الاطلاع تكشفت عندي الصورة المؤلمة، فأولئك الأطفال المخطوفين غالباً ينشؤون بعقد نفسية كبيرة ويتجه عدد منهم إلى الانتحار جراء حرمانه من أسرته الأصلية، وصدمته بالحياة الجديدة التي تختلف كل الاختلاف تبدأ من تغيير الاسم حتى لا يستطيع الأهل البحث عنه وتغيير البقعة الجغرافية والمدرسة أو الروضة مرورا بكل ما يتعلق بالفكر والمعتقد وأساليب الحياة، ولأزيدكم من الشعر بيتاً، فإن تلك المؤسسة تسببت أيضا في انتحار عدد من الأمهات اللاتي خطف منهن أولادهن، كما وتسببت أيضا بدخول عدد من الآباء إلى السجن حيث استفزازهم إلى الحد الأقصى ودفعهم إلى الشتم أو الضرب ثم تثبيت تهمة العنف عليهم.
تستسهل تلك الدول خطف أبناء جاهزين وهم في سن صغير وإنشائهم على الطريقة التي يحبونها وتأسيسهم كما تراه مناسباً لمصالحها ورؤيتها تستهل ذلك عن الإنجاب، لأنها تتميز بارتفاع نسبة المسنين وقلة نسبة الشباب، بالإضافة إلى عدم رغبة النساء هناك بالإنجاب والولادة والإكتفاء أحيانا بالصديق أو بالكلب كأنيس ورفيق، وهنا يكون اللاجئون الجُدد هم الفريسة المناسبة والصيد الثمين للبارنافان والدولة، وهو بالمناسبة من أقوى مؤسسات الدولة هناك وسيادته تفوق الشرطة والقانون نفسه أحيانا.
الكثيرُ والكثيرُ من القصص والحكايات الحقيقية التي أنا بنفسي جالستُ أصحابها الحقيقيين وتعرفت عن قرب على تلك الضرائب الباهضة جداً التي يدفعها اللاجئون والمهاجرون بحثاً عن الراحة وهرباً من الاستبداد والقهر والظلم وقلة فرص العمل وسوء الخدمات، إلى حياة جيدة تبدو جميلة من ظاهرها وتحمل الكثير من الألم والصعوبات في دالخا، فحتى تستطع العيش في تلك الدول عليكَ أن تدرك أن أموراً كثيرةً قد تخسرها مثل دفء الأهل والطقوس المجتمعية والأسرية وأحيانا قد تكون الفاتورة أكثر غلاءً وتصل إلى حد التخلي عن جزء من المبادئ أو الثقافة أو العادات أو لا سمح الله الأبناء.
ما تناولته ليس إحباطاً وليس تحريضاً على تلك الدول، وليس نكراناً لما فيها من امتيازات غير موجودة في مجتمعاتنا العربية لكنه نوع من التوعية والواقعية ومحاولة كشف بعض من الواقع المنتظر في تلك الدول، ومن هنا الدعوة مفتوحة أمام أبنائنا للتروي والتفكير ألف مرة قبل الإقدام على تلك الخطوة ودراستها بشكل موسع.
أما الدعوة الأكبر فهي موجهة إلى حكوماتنا بتحسين مستوى العيش وتوفير الأمان للشعوب والتعامل معها باحترام وكرامة وجدية ومحاولة توفير مقومات الحياة الكريمة، حتى لا تخسر أبنائها ويستقطبهم آخرون من تلك الدول.